نص الفقهاء في صور كثيرة على وجوب قيام الأمة ببعض الواجبات عند عجز الإمام، وأنها لا تتعطل بذلك، ولهذا أجمعوا على أن جهاد الدفع عن الدولة والأمة فرض عين على كل مسلم استطاع ذلك، ولا يشترط فيه إذن، فإن كان الإمام قائما بأمر الجهاد وإلا لم يتعطل، وكذا نصرة المظلوم مسلما كان أم ذميا، لمن قدر على نصرته ... إلخ.
قال الشوكاني في (وبل الغمام) موضحا مقاصد نصب الإمام: (وعندي أن ملاك أمر الإمامة والسلطنة وأعظم شروطها وأجل أركانهما؛ أن يكون قادرا على: تأمين السبل، وإنصاف المظلومين من الظالمين، ومتمكنا من الدفع عن المسلمين إذا دهمهم أمر يخافونه، كجيش كافر أو باغ، غير متقاعد عن ذلك، ولا متثبِّطٍٍ ولا عاجز، ولا مشغول بملاذه مؤثرا للدّعة والسكون؛ فإذا كان السلطان بهذه المثابة فهو السلطان الذي أوجب الله طاعته وحرّم مخالفته؛ بل هذا الأمر هو الذي شرع الله له نصب الأئمة والسلاطين، وجعل ذلك من أعظم مهمات الدين؛ ولا يضر الإمام نقص شرط أو أكثر من شروطٍ ذكروا، مهما كان قائما بما ذكرناه؛ فليس للمسلمين حاجة في إمام قاعد في مصلاه ممسك سبحته، مؤثر لمطالعة الكتب العلمية، مدرس فيها لطلبة عصره، مصنف في مشكلاتها، متورع عن سفك الماء والأموال، والمسلمون يأكل بعضهم بعضا، ويظلم قويهم ضعيفهم، ويضطهد شريفهم وضيعهم؛ فإن الأمر إذا كان هكذا لم يحصل من الإمامة والسلطنة شيء لعدم وجود الأهم الأعظم الذي شرعتا له؛ وهذا الكلام لا يعقله إلا الأفراد من أهل العلم) ! [1]
وقال أيضا في وبل الغمام: (والباغي أحد رجلين: إما رجل بغى على جميع المسلمين أو بعضهم، بنهب أموالهم، وسفك دمائهم، وهتك حرمهم، فهذا قد جعل الله له حدودا مذكورة في كتابه العزيز، وإذا اجتمع لهم جيش كان الدفع لهم عن انتهاك حرمات الدين والمسلمين من أوجب واجبات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإما رجل بغى على إمام من أئمة المسلمين بعد اجتماع كلمتهم عليه ودخولهم تحت طاعته سواء كانوا قليلا أو كثيرا، فهذا تجب مقاتلته بنص القرآن الكريم: {فإن بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي} [الحجرات: 9] ولا يخرجه عن كونه باغيا زعمه بأنه إمام أو أنه أصلح أو أنهض، ولا متابعة ّثلة من المسلمين له، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بضرب عنق من جاء وأمر الناس مجتمع وأراد تفريق كلمتهم كما ثبت ذلك في الصحيح، نعم إذا ظهر من الأول ما هو كفر بواح، أو أظهر من نفسه العجز عن القيام بما هو الأهم الأقدم والركن الأعظم من أمور الإمامة وهو ما قدمناه قريبا، لم يكن الثاني باغيا) . [2]
وزاد في (نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار) : (وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْخُرُوجِ عَلَى الظَّلَمَةِ وَمُنَابَذَتِهِمْ السَّيْفَ وَمُكَافَحَتِهِمْ بِالْقِتَالِ بِعُمُومَاتٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي وُجُوبِ الْأَمْرِ
(1) - انظر إكليل الكرامة لصديق خان ص 1/115
(2) - المصدر السابق