كما حافظ هذا الخطاب من الناحية النظرية على تقييد صلاحيات الإمام، بأن تكون تصرفاته في شئون الأمة بحسب تحقيق الأحسن والأكمل والأصلح لها، فليس للإمام أن يتصرف على هواه، فليس للإمام عزل القاضي الأصلح وتولية من هو دونه؛ إذ تصرفات الإمام على الرعية منوط بالمصلحة؛ وعزل القاضي الأصلح على خلاف المصلحة؛ فلا ينفذ عزله وقد قال أبو يوسف، قاضي هارون الرشيد في كتابه الخراج الذي ألفه للرشيد محددا صلاحيات الإمام وأن تصرفه منوط بالمصلحة: (قَالَ أَبُو يُوسُف: وَكُلُّ مَنْ أَقْطَعَهُ الْوُلاةُ الْمَهْدِيُّونَ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ وَأَرْضِ الْعَرَبِ وَالْجِبَالِ مِنَ الأَصْنَافِ الَّتِي ذكرنَا أَن الإِمَام أَنْ يُقْطِعَ مِنْهَا؛ فَلا يَحِلُّ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ مِنَ الْخُلَفَاءِ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ وَلا يُخْرِجَهُ من يَدي من هُوَ ي يَدِهِ وَارِثًا أَوْ مُشْتَرِيًا؛ فَأَمَّا إِنْ أَخَذَ الْوَالِي مِنْ يَدِ وَاحِدٍ أَرْضًا وَأَقْطَعَهَا آخَرَ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ غَصَبَ وَاحِدًا وَأَعْطَى آخَرَ؛ فَلا يَحِلُّ لِلإِمَامِ وَلا يَسَعُهُ أَنْ يُقْطِعَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَقَّ مُسْلِمٍ وَلا مُعَاهِدٍ وَلا يُخْرِجَ مِنْ يَدِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلا بِحَقٍّ يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ بِذَلِك الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ فَيُقْطِعَهُ مَنْ أَحَبَّ مِنَ النَّاسِ؛ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ.) [1] .
وكذا ليس للإمام أن يتعرض للأنهار بحفر أو طمر إلا بحسب المصلحة العامة دون الخاصة؛ وهذا محل اتفاق بين الفقهاء من جميع المذاهب.
كما حافظ هذا الخطاب على الضمانات العدلية لحماية حقوق الأفراد وحرياتهم؛ كما فصلت ذلك كتب الفقه في جميع أبواب المعاملات والدعاوى والقضاء.
وقد كتب أبو يوسف القاضي، إلى هارون الرشيد في بيان الضمانات العدلية التي يلزم الإمام والوالي العمل بها ومن ذلك:
1 -حظر حبس أو تعذيب المتهم ماديا أو معنويا؛ إذ الأصل براءته حتى تثبت إدانته ولا يؤخذ بإقراره أو اعترافه تحت الإكراه ولا يحبس.
قال أبو يوسف: (وَمَنْ ظُنَّ بِهِ أَوْ تُوُهِّمَ عَلَيْهِ سَرِقَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَلا يَنْبَغِي أَنْ يُعَزَّرَ بِالضَّرْبِ وَالتَّوَعُّدِ وَالتَّخْوِيفِ؛ فَإِنَّ مَنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ أَوْ بِحَدٍّ أَوْ بِقَتْلٍ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ؛ فَلَيْسَ إِقْرَاره ذَلِك بِشَيْء، وَلا يَحِلُّ قَطْعُهُ وَلا أَخْذُهُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ.) [2] .
2 -اعتبار رجوع المقر عن إقراره شبهة تدرأ عنه الحد، قال أبو يوسف: (وَمَنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الْقَطْعُ أَوْ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ حُدَّ فِي زِنًا فَأَمَرَ الإِمَامُ بِضَرْبِهِ أَو قطع يَدَيْهِ فَرَجَعَ عَنِ الإِقْرَارِ قَبْلَ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَإِنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ مِنْ قَذْفٍ أَوْ
(1) - الخراج لأبي يوسف (ص: 73)
(2) - الخراج لأبي يوسف (ص: 191)