وفي الطريق تكون المعركة قد قامت بين المجتمع الوليد الذي انفصل بعقيدته وتصوره، وانفصل بقيمه واعتباراته، وانفصل بوجوده وكينونته، عن المجتمع الجاهلي - الذي أخذ منه أفراده - وتكون الحركة من نقطة الانطلاق إلى نقطة الوجود البارز المستقل قد ميزت كل فرد من أفراد هذا المجتمع، وأعطته وزنه ومكانه في هذا المجتمع - حسب الميزان والاعتبار الإسلامي - ويكون وزنه هذا متعرفًا له به من المجمتع دون أن يزكي نفسه أو يعلن عنه بل إن عقيدته وقيمه السائدة في نفسه وفي مجتمعه لتضغط عليه يومئذ ليوراي نفسه عن الأنظار المتطلعة إليه في البيئة!
ولكن"الحركة"التي هي طابع العقيدة الإسلامية، وطابع هذا المجتمع الذي انبثق منها، لا تدع أحدًا يتوارى! إن كل فرد من أفراد هذا المجتمع لا بد أن يتحرك! الحركة في عقيدته، والحركة في دمه، والحركة في مجتمعه، وفي تكوين هذا المجتمع العضوي،. إن الجاهلية من حوله، وبقية من رواسبها في نفسه وفي نفوس من حوله، والمعركة مستمرة، والجهاد ماض إلى يوم القيامة، على إيقاعات الحركة، وفي أثناء الحركة، يتحدد وضع كل فرد في هذا المجتمع، وتتحدد وظيفته، ويتم التكوين العضوي لهذا المجتمع بالتناسق بين مجموعة أفراده ومجموعة وظائفه.
هذه النشأة، وهذا التكوين، خاصيتان من خصائص المجتمع الإسلامي تُميزانه، تُميزان وجوده وتركيبه، وتُميزان طابعه وشكله، وتُميزان نظامه والإجراءات التنفيذية لهذا النظام أيضًا، وتجعلان هذه الملامح كلها مستقلة، لا تعالج بمفهومات اجتماعية أجنبية عنها، ولا تدرس وفق منهج غريب عن طبيعتها، ولا تنفذ بإجراءات مستمدة من نظام آخر!
إن المجتمع الإسلامي - كما يبدو من تعرفينا المستقل للحضارة - ليس مجرد صورة تاريخية، يبحث عنها في ذكريات الماضي، إنما هو طلبة الحاضر وأمل المستقبل. إنه هدف يمكن أن تستشرفه البشرية كلها اليوم وغذًا، لترتفع به من وهدة الجاهلية التي تتردى فيها، سواء في هذه الجاهلية الأمم المتقدمة صناعيًا واقتصاديًا والأمم المتخلفة أيضًا،
إن تلك القيم التي أشرنا إليها إجمالًا هي قيم إنسانية، لم تبلغها الإنسانية إلا في فترة"الحضارة الإسلامية". (ويجب أن ننبه إلى ما نعنيه بمصطلح"الحضارة الإسلامية"،. إنها الحضارة التي توافرت فيها تلك القيم، وليست هي كل تقدم صناعي أو اقتصادي أو علمي مع تخلف القيم عنها)
وهذه القيم ليست"مثالية خيالية"إنما هي قيم واقعية عملية، يمكن تحقيقها بالجهد البشري - في ظل المفهومات الإسلامية الصحيحة -،يمكن تحقيقها في كل بيئة بغض النظر عن نوع الحياة السائدة فيها، وعن تقدمها الصناعي والاقتصادي والعلمي،. فهي لا تعارض - بل تشجع بالمنطق العقدي ذاته - التقدم في كافة حقول الخلافة، ولكنها في الوقت ذاته لا تقف مكتوفة اليدين في البلاد التي لم تتقدم في هذه الحقول بعد. إن الحضارة يمكن أن تقوم في كل