على هذه الأنظمة مهما بلغت من الفساد والانحلال، بدعوى إمكانية إصلاحها من الداخل أو إصلاحها بالطرق السلمية؟!
وبدأ الموقف والخطاب يتغيران؛ إذ لم يعد إقصاء الشريعة عن واقع حياة المسلمين يفقد الأنظمة مشروعية وجودها واستمرارها، بل ولم يعد يفقدها وصف الإسلام واسمه؟! فهي دول وحكومات إسلامية وإن أقصت الشريعة الإسلامية، وحاربت أحكامه ودعاته، ولو كانت الشوكة فيها والقوة لغير المسلمين؟!
لقد تحول كثير من دعاة الحركة الإسلامية وعلمائها في كثير من الأقطار إلى سدنة للأنظمة الحاكمة، توظفهم في خدمتها لمواجهة حركات المعارضة السياسية، بما فيها الحركات الإسلامية التي ترفض التحالف مع هذه الأنظمة لأسباب شرعية كثيرة؟!
لقد لجأت الحركة الإسلامية تحت ضغط الواقع للخطاب السياسي المؤول لإثبات شرعية مواقفها وصحتها، بدعوى أن الخروج لم يجر على الأمة سوى الدمار والخراب، وصارت تستروح لمثل هذا الطرح الجديد مع عدم مراعاة الفارق الكبير بين ظروف نشأة الخطاب المؤول - حيث كانت الخلافة قائمة، وأعلام الجهاد دائمة والشريعة حاكمة، مما يجعل مفسدة الخروج أكبر - وبين الظروف الحالية حيث تم إقصاء الشريعة، وتعطيل الجهاد، وتسليم الأمة ومصالحها للقوى الاستعمارية؟!
لقد أصبحت هذه الحركات الإسلامية تتعايش مع الأنظمة في أكثر الأقطار دون أن يكون لها هدف واضح، أو خطة استراتيجية، أو مشروع إصلاحي، بل أصبح كبار قادتها يخرجون على الملأ ليقولوا بأنهم لا يسعون إلى السلطة، ولا يهدفون إلى تغيير النظام؟!
وهذا بحد ذاته إعلان عن إفلاس الحركة سياسيا وفكريا، وتراجع خطير في خطابها السياسي.
ولم تكتف الحركة الإسلامية وقادتها بذلك، بل صار مفكروها يجددون في خطابهم السياسي في غير محل التجديد، ويهدمون من حيث يظنون أنهم يبنون، فصاروا يرددون آراء لا تخدم الحركة الإسلامية بقدر ما تهدم الدين نفسه!
وكل هذا يكشف مدى الأزمة الفكرية والعبث السياسي الذي تعيشه الحركة الإسلامية وقياداتها التجديدية منذ إعدام سيد قطب؟!
كما أثبتت الأيام أن الحركة الإسلامية في العالم العربي قد لا تفقد الإخلاص بقدر فقدها للأهداف، فهي بلا هدف محدد، وإن كان لها أهداف فهي بلا خطط واضحة، وإن كان لها خطط فهي بلا إرادة جازمة، وإن كانت فهي بلا ثقة بالنصر، وكل هذه عوامل رئيسة لنجاح أي مشروع إصلاحي، ومن دونها يكون وجود أي حركة سياسية وعدمه سواء.
إن الحركات السياسية والفكرية إنما تقوم من أجل التغيير، فإن هي رفضت مبدأ التغيير فقد حكمت على نفسها بالإعدام السياسي، وكان وجودها عبئا ثقيلا على المجتمع.