فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 232

فعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَكَّةَ سَبْعَ سِنِين، يَتَتَبَّعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ بِعُكَاظَ وَمَجَنَّةَ وَالْمَوَاسِمِ بِمِنًى، يَقُولُ:"مَنْ يُؤْوِينِي وَيَنْصُرَنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي؟"،حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لِيَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ أَوْ مِنْ مِصْرَ فَيَأْتِيهُ قَوْمُهُ، فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ، لَا يَفْتِنُك، وَيَمْشِي بَيْنَ رِحَالِهِمْ وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ مِنْ يَثْرِب، فَآوَيْنَاهُ وَصَدَّقْنَاهُ، فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا وَيُؤْمِنُ بِهِ وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآن، وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا فِيهَا رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِين، يُظْهِرُونَ الْإِسْلَام، ثُمَّ إِنَّا اجْتَمَعْنَا، فَقُلْنَا: حَتَّى مَتَى نَتْرُكُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ؟ ‍،فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا، حَتَّى قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ فَوَاعَدْنَاهُ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ، فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَهَا مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ، حَتَّى تَوَافَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ:"تُبَايعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ يَقُولَهَا لَا يُبَالِي فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي، وَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمُ الْجَنَّةُ"،فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَهُوَ مِنْ أَصْغَرِهِمْ، فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِب، فَإِنَّا لَمْ نَضْرِبْ أَكْبَادَ الْإِبِلِ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَأَنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُنَازَعَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنْ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْ تَصْبِرُوا عَلَى ذَلِكَ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ جُبْنًا، فَبَيِّنُوا ذَلِكَ فَهُوَ أَعْذَرُ لَكُمْ، فَقَالُوا: أَمِطْ عَنَّا فَوَاللَّهِ لَا نَدَعُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ أَبَدًا، فَقُمْنَا إِلَيْهِ، فَبَايَعْنَاهُ، فَأَخَذَ عَلَيْنَا، وَشَرَطَ أَنْ يُعْطِيَنَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ [1] .

فقد كان خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - السياسي لهم واضحا، وأنه يهدف إلى إقامة دولة، وقد استطاع بعد الهجرة أن يحقق هذا الهدف الرئيسي الذي سيسهل مهمة إقامة الدين كله لله.

وهذا أيضا ما يؤكده مبادرة الصحابة - رضي الله عنهم - م بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى حسم موضوع الخلافة في سقيفة بني ساعدة قبل دفن جسده الشريف، وما ذلك إلا لإيمانهم بهذا الأصل وإدراكهم لهذا المبدأ الرئيس، إذ لا تفسير لهذا التصرف على هذا النحو إلا هذا التعليل، وهو ضرورة إقامة الدولة بحسم موضوع الإمامة والسلطة والمحافظة عليها من أجل إقامة الدين والمحافظة عليه.

وما هذه المبادرة لحسم هذا الموضوع إلا دليل على مدى وعي الصحابة - - رضي الله عنهم - م - السياسي وفهمهم لطبيعة هذا الدين وأنه دين ودولة، وهذا ما يؤكده موقف أبي بكر ممن امتنع عن أداء الزكاة - بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للدولة، بدعوى أنهم لا يلزمهم ذلك، وليست هذه القضية موضع خلاف بين الأمة، بل هي محل إجماع من جميع المذاهب؛ إذ الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو أن يقوم الناس بالقسط؛ كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ

(1) - تهذيب صحيح ابن حبان (1 - 3) علي بن نايف الشحود (3/ 75) (6274) (صحيح)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت