النقطة الأولى
أهمّ أحكام العمارة الإيمانيّة للمسجد
قال الله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) } [النور] .
"قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: (لما ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم، بالمصباح في الزجاجة الصافية، المتوقد من زيت طيب ذكر محلّها وهي المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحّد) ، وعلى هذا فكأن الله عز وجل أفهمنا أن مظنّة وجود هذا النّوع من الناس، الذين وصف الله قلوبهم بما وصف، هي المساجد التي أمر الله أن تعظّم، بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو، والأقوال والأفعال التي لا تليق فيها، وأن يذكر فيها اسمه في الصلاة، وحلقات العلم والذكر، وقراءة القرآن، وأمثال ذلك."
فكأنّ معدن هذه القلوب هي هذه المساجد، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن التربية الإيمانية الكاملة إنما تكون في المسجد، إذ هي وحدها التي تتوافر فيها شروط التربية الصالحة"."
فالقلوب المؤمنة، توقد من شريعة الله في بيوت أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه، وهذا يفيد أنّ مدد الإيمان مظنته المساجد، ومن ثمّ فعلى العلماء أن يقيموا حلقات العلم والقرآن في المساجد، من أجل أن يوقدوا مصباح الإنسان وهو قلبه، فالمساجد لها الدور الأول في إيجاد الإيمان، ووجود المؤمن، وهذا يجعل مسؤوليتنا كبيرة في عمارة المساجد.
ووصف عمّار المساجد بقوله تعالى: {رِجَالٌ} فيه إشعار بهممهم السامية، ونياتهم المخلصة، وعزائمهم العالية التي بها صاروا عمّارًا للمساجد، التي هي بيوت الله في أرضه، ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه [1] .
وجاء في الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدرِيّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: (إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [2] .
فمن أهمّ أحكام العمارة الإيمانيّة للمسجد:
1 ـ لزوم المساجد وتعلّق القلب بها: ويستحبّ لزوم المساجد، وتعلّق القلب بها، ليكون المؤمن من السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، كما جاء في الحديث الصحيح: (سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه .. ومنهم:(ورجل قلبه معلّق في المساجد) [3] ، وهذا كناية عن حبّه لها، وحنينه إليها كلما خرج منها حتّى يعود إليها، وحرصه على طاعة الله تعالى ومرضاته، ومن لم يتعلّق قلبه بالمساجد تعلّق بالدنيا، ومجالس اللهو واللغو فيها، وحرص عليها، وأكثر من الحديث عنها.
(1) ـ انظر الأساس في التفسير للشيخ سعيد حوّى رحمه الله 7/ 3774/، باختصار وتصرّف يسير.
(2) ـ رواه الترمذي في تفسير القرآن /3018/ وقال: حسن غريب ورواه أحمد وغيره.
(3) ـ رواه البخاري في الأذان 2/ 119، ومسلم في الزكاة (1031) والترمذيّ ومالك وأحمد.