إذا كانت العبادة سرّ خلق الإنسان الناطق المفكّر، العاقل المريد، في هذا الوجود، كما قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ (56) } الذاريات، وكانت هي المبدأ الأول الذي أنزل الله به كتبه، وبعث لأجله رسله، فقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) } [الأنبياء] ، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ .. (36) } النحل، كما كان نداء كلّ نبيّ في قومه، ورسول في أمّته: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ (59) } [الأعراف] ، وهي العهد القديم الذي أخذه الله على بني آدم: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) } يس [1] .
إذا كانت العبادة كذلك فإن"المسلم يعتقد اعتقادًا جازمًا أنّه ما وجد في هذه الحياة إلاّ لعبادة ربّه، وعبادة الله تشمل كلّ جانب من جوانب الحياة، كما تتمثّل في كلّ حركة من حركات الإنسان الإيجابيّة البنّاءة لإعمار الكون، وتحقيق كلمة الله في الأرض، وتطبيق منهجه في الحياة، كما تتمثّل في شعور العبوديّة لله الواحد القهّار، يستقرّ في ضمير المسلم، ويكون منطلقه في أعماله كلّها، فلا يبتغي بها إلا وجه الله، وبذلك تكون أعمال المسلم كأداء الشعائر سواء بسواء، ما دامت نيّته في حركته كلّها: العمل في سبيل الله تعالى."
(1) ـ انظر مقدّمة كتاب:"العبادة في الإسلام"، للدكتور يوسف القرضاويّ، ص/8/.