ومِن أجمع ما كتب عن أحكام المساجد في عصرنا كتاب:"أحكام المساجد في الإسلام"للأستاذ الدكتور محمود بن حسين الحريريّ، وقد تتبّع واستقصى وأحسن في الترتيب وأجاد، فجزاه الله خيرًا.
بين العمارتين: الحسّيّة والمعنويّة: وازن القرآن الكريم بين نوعين من العمارة: العمارة الحسّيّة والعمارة المعنويّة، ورجّح العمارة المعنويّة الإيمانيّة على العمارة الحسّيّة الظاهريّة، لأن العمارة الحسّيّة المادّيّة هي من قبيل الوسائل والمقدّمات، والعمارة المعنويّة الإيمانيّة هي من قبيل المقاصد والغايات، ولاشكّ أنّ"عمارة المساجد بالعبادة والعلم والإيمان مقدّمة على تثبيت الأركان وتعلية الجدران، والإكثار من الزخارف والألوان" [1] .
ويترتّب على هذه الموازنة بين هذين النوعين من العمارة، وترجيح العمارة المعنويّة التي هي غاية ومقصد، على العمارة الحسيّة التي هي مقدّمة ووسيلة يترتّب على ذلك جملة من الحقائق، تلاحظ فيما شرع الإسلام من أحكام المساجد، ويجمع هذه الحقائق قاعدة عامّة نستخلصها:
"أن الإسلام يأمر في العمارة الحسيّة ـ على درجات متفاوتة من الأمر، وقد تصل إلى الوجوب ـ بكلّ ما يحقّق العمارة المعنويّة، أو يزيد في تأثيرها، أو يؤيّد نشاطها وامتدادها، كما ينهى في المقابل في العمارة الحسيّة ـ على درجات متفاوتة من النهي، وقد تصل إلى الإثم والتحريم ـ عن كلّ ما يعطّل العمارة المعنويّة، أو ينقص من تأثيرها، أو يعوّق نشاطها وامتدادها".
وهذه الموازنة وهذا الموقف، مما يمتاز به الإسلام على موقف أصحاب الديانات الأخرى، سماويّة في أصلها كانت أم وضعيّة، ولا نشكّ أن ذلك مما حرّفوه من الدين الحقّ، إذ إنّهم يجعلون من أساليب العمارة المادّية كاتّخاذ التصاوير والتماثيل، والاهتمام بالزخارف، وطرق الإنارة وألوانها، وإدخال
(1) ـ الجامع الأمويّ للشيخ علي الطنطاويّ ص/31/.