ويتناولون الأمور التي تقبل المناقشة والجدل الكبير، وتثير إنكار كثير من المستمعين وامتعاضهم، وتفقد الخطب والجوامع قدسها وجلالها ونزاهتها، بل كانت خطبته كسائر كلامه قولًا فصلًا، لا فضول فيه ولا تقصير، يقول جابر بن سمرة - رضي الله عنه:"كانت صلاة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قصدًا، وخطبته قصدًا، يقرأ بآيات من القرآن ويذكّر الناس"، وفي رواية:"كانَ - صلى الله عليه وسلم - لا يَطِيلُ الموعِظةَ يَومَ الجمُعَةِ، إنما هُنّ كَلِماتٌ يَسِيراتٌ" [1] .
كما"لم تكن خطبة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - تقليديّة، لاحياة فيها ولا روح، ولا رسالة فيها ولا توجيه، بل كانت متّصلة بالحياة وبالواقع كلّ الاتّصال، يقول جابر بن عبد الله - رضي الله عنه:"
"كانَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إذا خَطَبَ احمرّت عَيناهُ، وعَلا صَوتُه، واشتَدّ غَضَبُه، حتّى كأنّه مُنذِرُ جَيشٍ يَقُولُ: صبّحَكُم ومَسّاكُم" [2] .
ويقول العلاّمة ابن القيّم رحمه الله:"وكان - صلى الله عليه وسلم - يعلّم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، وكان يأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي"، ثمّ ينتقد ما آل إليه أمر الخطابة في حياة كثير من الخطباء والواعظين، فيقول:".. ثمّ طال العهد، وخفي نور النبوّة، وصارت الشرائع والأوامر رسومًا تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها، وزيّنوها بما زيّنوها به، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننًا لا ينبغي الإخلال بها، وأخلّوا بالمقاصد، التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصّعوا الخطب بالتسجيع والبديع، فنقص بل عدم منها حظّ القلوب، وفات المقصود بها" [3] .
(1) ـ رواه أبو داود في كتاب الجمعة /933/.
(2) ـ رواه مسلم في أبواب الجمعة /1435/ وابن ماجه، وانظر الأركان الأربعة ص/57/.
(3) ـ انظر"زاد المعاد"1/ 115/.