فهرس الكتاب
ولكن الشرع إنما يراعى هذه الأعراف - الممثلة في الحاجات - ما لم تصادم الشرع، فإن صادمت الشرع كان الشرع أولى بالإتباع؛ لأن الشرع يمثل عدل الله تعالى وحكمته، فما صادمه، فهو لا يمثل إلا الجهل أو الهوى، وقد قال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون:71] .
خذ مثلا: العرف الجاري في الهند وباكستان وبنجلادش، وهو أن المرأة - أو أباها - هي التي تدفع لمن يريد أن يتزوجها. وتدفع له مبالغ أو أشياء كثيرة حسب غنى الأب وفقره، ويسره وعسره. فقد تدفع له سيارة أو تدفع له منزلا أو (فيلّا) أو نحو ذلك.
وهذا مصادم للشرع الذي أوجب على الرجل أن يؤتي المرأة مهرا أو صداقا أو صدقة، نحلة أو عطية أو هدية لهن، لتطييب أنفس النساء، واشعارهن بأنهن مرغوبات ومحبوبات ومصونات، وأن الرجل هو الذي يركض وراء المرأة، وليس العكس، يقول تعالى: {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء:4] .
فلا يجوز إقرار هذا العرف المخالف للقرآن والسنة، الذي ترتب عليه أن أصبحت البنت عبئا كبيرا على الأسرة، وأصبح من عنده ثلاث بنات أو أربع، يعنى أن عنده أربع بلايا في حياته، يحمل همهن من يوم يولدن حتى يتزوجن. والحق أن هذا عرف مستمد من الجاهلية الهندوسية، ويسمون ما يدفع للزوج (الدوطة) . وكان يجب على المسلمين أن يتمردوا على هذا العرف الجاهلي القديم لا أن يستسلموا له، ويكيّفوا أنفسهم على قبوله، ويحاولوا أن يوجدوا له المخارج.
وأذكر أنى شاركت في اجتماع للعلماء [1] في باكستان، حضره الرئيس الباكستاني الراحل، الرئيس ضياء الحق رحمه الله، وقد عرض فيه لمشكلة (الدوطة) التي تواجه كل أسرة مسلمة لديها بنات، وقلّما توجد أسرة إلا وبها بنات، وقد طالب الرئيس الباكستاني من العلماء المشاركين أن يوجدوا حلا لهذه المشكلة من أموال الزكاة.
وكان ردى: أن الله تعالى قد حدد مصارف الزكاة في أصناف ثمانية، لم يدعها لأحد غيره، ولا للرسول نفسه، ولا يجوز لنا أن نحرف مصارف الزكاة، ونصرف مواردها
(1) - كان اجتماع الهيئة العليا لعلماء الرقابة الشرعية في اتحاد البنوك الإسلامية، وقد كان رئيسها الشيخ محمد خاطر مفتي مصر الأسبق رحمه الله، وكنت نائبه في ذلك الوقت.