أهلها، غيّر المتأخرون فتواهم، ولم يلزموا المرأة باللحاق بزوجها، دفعا للضرر عنها، إذ لا ضرر ولا ضِرار في الإسلام.
فإذا نظرنا إلى طبيعة عصرنا، وجدنا ظروف العمل اليوم كثيرا ما تقتضى الاغتراب من قطر إلى قطر، وفى القطر الواحد من إقليم إلى إقليم، فلو لم ترافق المرأة زوجها لأصابه هو ضرر كبير أيضا، وتضررت الزوجة، وتعرضت الأسرة للتفكك، كما أن الخوف الذي كان يحدث في الماضى من انقطاع المرأة عن أهلها بالغربة لم يعد قائما الآن، لسهولة الاتصالات البريدية والبرقية والفاكسيه والهاتفية، ولا سيما بعد عصر الهاتف المحمول .. فوجب حينئذ تغيير الفتوى مرة أخرى، والعودة إلى الحكم القديم [1] .
وينبغى التدقيق في معرفة النصوص الشرعية التي بنيت على أعراف زمنية. فإنه إذا تغيرت هذه الأعراف التي بنيت عليها أحكام النصوص، يجب أن تتغير الأحكام بتغيرها.
فبعض النصوص الشرعية - وخصوصا نصوص السنة النبوية - تصدر أحكاما مبنية على أعراف قائمة رعتها في زمنها، اقتضتها الظروف الموضوعية، لأنها تمثل المصلحة في ذلك الوقت، فإذا تغيرت هذه المصلحة، لتغير ظروفها، وتغير العرف المبني عليها، كان من حقا أن نجتهد في تغيير الحكم؛ لأن علته العرف وقد تغير، وهو يدور مع علته وجودا وعدما.
من ذلك ما أوردناه عن الإمام أبي يوسف الشئ مكيلا أو موزونا حسب الواقع في زمن القصة لا حسب ما جاء في الحديث، لأن الحديث بنى على الواقع، وهو قابل للتغير.
ومن ذلك: ما ذكرناه في كتابنا (فقه الزكاة) وهو ما قرره الفقهاء، وأكدته كتب الفقه المختلفة بإختلاف مذاهبها، وهو اعتبار أن لزكاة (النقود) أو (الأثمان) نصابين:
نصابا يقدر بالذهب ومقداره عشرون مثقالا أو دينارا، ونصابا يقدر بالفضة مقداره مائتا درهم. وبينهما - في تقديرنا المعاصر - تفاوت واسع، وفرق شاسع. وظن كثير من
(1) - انظر كتابنا (الشريعة الإسلامية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان) صـ 97 - 103، نشر مكتبة وهبه، ببعض تصرف.