فهذا كلُّه من المحرَّمات والمنكرات، وهو أكل للمال بالباطل، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"أعطوا الأجير أجره، قبل أن يجفَّ عرقه" [1] وفي الحديث القدسي الذي رواه البخاري:"ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة - وذكر منهم - ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره" [2] .
ومن المؤسف هنا: أن بعض المسلمين في ديار الغرب يستحلُّ المنافع دون أن يدفع أجرتها، بدعوى أنهم كفار، وهي دعوى مرفوضة، فليس كل كافر يباح ماله، بل هذا في الكافر الحربي، الذي يستبيح دماء المسلمين وأموالهم. وهؤلاء معاهدون، تربطهم معاهدات وعلاقات دبلوماسية بالمسلمين، حتى لو كانوا حربيين، ووصلت دارهم بأمان يجب أن تحترمه، كما لو دخلوا دارنا بأمان يجب علينا أن نصونه، ويجب عليهم أن يحترموه. وواجب على كل فرد مسلم يعيش في بلادهم أن يفى بعهوده معهم؛ لأنه دخل البلاد بأمان وعهد تتضمَّنه تأشيرة الدخول أو الإقامة، فلا بد أن يحترم نظامهم، ويؤدِّي أماناتهم إليهم، ولا يأكل حقوقهم، وإلا كان ناكثا لعهده، خائنا لما ائتُمن عليه.
وإذا كان من أكل المال بالباطل أن تستأجر الإنسان، ولا تعطيه الأجر العادل، أو تؤخره عن وقته، أو تنتفع بالشيء ولا تدفع أجرته، فإنه من الأكل بالباطل: أن تأخذ الأجرة على شيء لم تقدم معه منفعة حقيقية للناس، إلا الوهم والجهل، كالذي يضرب الرمل، أو يفتح الكتاب، أو يدعى الكهانة ومعرفة الغيوب، أو يدعي إخراج الجن من جسم الإنسان، أو يفتح عيادة لعلاج المرضى بالقرآن، أو يأخذ على العبادات الشعائرية أجرا وهو غير محتاج إليه، وله كسب منتظم من غيره، إلى غير ذلك مما شاع - للأسف- في مجتمعات المسلمين، ولا سيما في القرى ونحوها، من البلاد التي تنتشر فيها الأمية العلمية والدينية، وتشيع فيها الخرافة، وتروج فيها سوق الكهنة والعرافين والدجالين.
وقد جاء في الحديث:"مَن أتي عرافا أو كاهنا فسأله، فصدقه بما قال، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم" [3] .
(1) - رواه ابن ماجه في الرهن (2443) ، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (1980) ، عن ابن عمر.
(2) - رواه البخاري في البيوع (2227) ، وابن ماجه في الرهن (2442) ، عن أبي هريرة.
(3) - رواه أحمد (9532) وقال مخرجوه: حسن. وأبو داود في الطب (3904) ، وصححه الألباني في المشكاة (551) .