فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 137

وعمت به البلوى في عصرنا، فهل نجمد على ما نص عليه الأولون، ونسقط شهادة هؤلاء جميعا، ونعطل مصالح الخلق؟ أم نعتبر هذه الأحكام خاصة بزمنها وبيئتها لا تتجاوزهما؟ لا شك أن الثاني هو الصحيح. إذ لا شك أن نظرة المجتمع تغيرت بتغير الزمان إلى هذه الأمور، فما عاد المجتمع يحكم على مستمع الغناء العادى أو حليق اللحية أنه ساقط العدالة أى: فاسق. ولا عاد يحكم على كاشف رأسه أو الآكل في الشارع على أنه ساقط المروءة، بل نحن في عصر يسمى عصر (السندوتش) أى الأكل بسرعة.

ومن هنا كتب ابن القيم فصله الممتع في (إعلام الموقعين) عن تغير الفتوى بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والبيئات والعوائد، قال في مطلعه: (هذا فصل عظيم النفع جدا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتى به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها) [1] . وضرب عدة أمثلة لتطبيق هذه القاعدة.

وعند المالكية نجد الإمام شهاب الدين القرافي في كتابه (الإحكام) يقول في السؤال التاسع والثلاثين: (ما الصحيح في هذه الأحكام الواقعة في مذهب الشافعي ومالك وغيرهما، المرتبة على العوائد والعرف الذين كانا حاصلين حالة جزم العلماء بهذه الأحكام؟ فهل إذا تغيرت تلك العوائد وصارت العوائد تدل على ضد ما كانت تدل عليه أولا، فهل تَبُطل هذا الفتاوي المسطورة في كتب الفقهاء ويُفتَى بما تقتضيه العوائد

(1) - انظر: إعلام الموقعين (14 - 15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت