فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 137

أقول (القرضاوي) : ومن أنواع المضارة التي نهى عنها القرآن: مضارة الكاتب في الدين، والشاهد فيه وبه، وفي البيع، فقد قال تعالى في آية المداينة: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} [البقرة:282] .

النوع الثاني: من ايقاع الضرر بالغير:

قال ابن رجب: والنوع الثاني: أن يكون له غرض آخر صحيح، مثل أن يتصرف في ملكه بما فيه مصلحة له، فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره، أو يمنع غيره من الانتفاع بملكه توفيرا له، فيتضرر الممنوع بذلك.

فأما الأول وهو التصرف في ملكه بما يتعدى ضرره إلى غيره فإن كان على غير الوجه المعتاد، مثل أن يؤجج في أرضه نارا في يوم عاصف، فيحترق ما يليه، فإنه متعد بذلك، وعليه الضمان وإن كان على الوجه المعتاد، ففيه للعلماء قولان مشهوران:

أحدهما: لا يمنع من ذلك، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما.

والثاني: المنع، وهو قول أحمد، ووافقه مالك في بعض الصور؛ فمن صور ذلك: أن يفتح كوة في بنائه العالي مشرفة على جاره، أو يبني بناء عاليا يشرف على جاره ولا يستره، فإنه يلزم بستره، نص عليه أحمد، ووافقه طائفة من أصحاب الشافعي، قال الروياني منهم في كتاب الحلية: يجتهد الحاكم في ذلك، ويمنع إذا ظهر له التعنت، وقصد الفساد، قال: وكذلك القول في إطالة البناء ومنع الشمس والقمر.

ومنها أن يحفرَ بئرًا بالقرب من بئر جاره، فيذهب ماؤها، فإنَّها تُطَمُّ في ظاهر مذهب مالك وأحمد.

ومنها: أنْ يحدث في ملكه ما يضرُّ بملك جاره، من هزٍّ أو دقٍّ ونحوهما، فإنَّه يُمنع منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد، وهو أحدُ الوجوه للشافعية، وكذا إذا كان يضرُّ بالسُّكَّان، كما له رائحةٌ خبيثة ونحو ذلك. ومنها: أنْ يكونَ له ملكٌ في أرض غيره، ويتضرَّرُ صاحبُ الأرض بدخوله إلى أرضه، فإنَّه يُجبرُ على إزالته، ليندفعَ به ضررُ الدخول) [1] .

(1) - جامع العلوم والحكم (2/ 212 - 218) ، بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت