ومن القواعد الحاكمة في فقه المعاملات، التي اتفق عليها الفقهاء بمختلف مذاهبهم: الاحتكام إلى أعراف الناس وعاداتهم، فيما لم يخالف الشرع. ولهذا جعلوا من القواعد الفقهية والشرعية الكلية المجمع عليها قاعدة: (العادة محكمة) .
والعرف هو عادة الجماعة، وقد قال الناظم في الفقه:
والعرف في الشرع له اعتبار ... لذا عليه الحكم قد يدار
وقد استدلُّوا على هذه القاعدة بقول ابن مسعود: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسنا، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح [1] .
وقد أورده بعضهم على أنه حديث مرفوع، والصواب أنه موقوف رواه أحمد في مسنده.
ولكن معناه - وإن كان موقوفا - صحيح في ميزان الشرع، الذي يرى رؤية المؤمنين معتبرة عند الله في المدح والقدح، فالله تعالى يقول: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة:105] ، فجعل رؤية المؤمنين معطوفة على رؤية الله و رسوله للعمل، كما قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا} [غافر:35] ، فجعل مقت المؤمنين معطوفا على مقت الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أنتم شهداء الله في الأرض" [2] .
وهذه القاعدة (العادة محكمة) يرجع إليها في العبادات والمعاملات جميعا، وليست مقصورة على المعاملات، ولكنها في الواقع أكثر ما يحتاج إليها في العادات والمعاملات، لما للعرف القائم، والعادات السائدة من تأثير على معاملات الناس، وتصرفاتهم الدنيوية إلى حد كبير، بخلاف العبادات، فإن تأثيرها أقل.
(1) - رواه أحمد (3600) موقوفا على ابن مسعود، وقال مخرجوه: إسناده حسن، والطبراني في الكبير (9/ 112) ، والأوسط (3602) ، وحسن إسناده الألباني في الضعيفة (533) .
(2) - متفق عليه: رواه البخاري (1367) ، ومسلم (949) ، كلاهما في الجنائز، كما رواه أحمد (12837) ، والنسائي في الجنائز (1932) ، عن أنس.