فهناك كثير من العلماء يرجِّحون الاحتياط في كلِّ الأوقات، ولكلِّ البيئات، ومع كلِّ الناس ويفضِّلون أبدا أخذ الناس بالعزائم لا بالرخص، ويعتبرون الأخذ بالأيسر مدعاة لانفلات الناس من الأحكام شيئا شيئا.
والذي أراه: أن الأوفق بعصرنا وعالمنا - الذي غلبت فيه الماديات على الرُّوحيات والاعتبارات النفعية على الاعتبارات الأخلاقية - هو الأخذ بالأيسر لعدَّة أدلَّة:
أولا: أن الأيسر أولى بالضعفاء من الناس، لأن الضعف مظنَّة التخفيف دائما كما أشار إلى ذلك القرآن بقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28] .
الثاني: أن الأيسر هو الأليق بالشريعة السمحة، التي قال كتابها بصراحة: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] .
الثالث: أن اختيار الأيسر هو سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم، فقد قالت عائشة: ما خيِّر رسول الله صلي الله عليه وسلم، بين أمرين الا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما" [1] ."
الرابع: أن النبي صلي الله عليه وسلم، عنَّف أصحابه الذين شدَّدوا على الناس في الصلاة، وفي تلاوة القرآن فقال لمعاذ:"أفتَّان أنت يا معاذ؟! أفتَّان أنت يا معاذ؟! أفتان أنت يا معاذ؟!" [2] .
وحين شكا بعض الصحابة القارئ الجليل أُبيّ بن كعب، أنه يطيل بهم في الصلاة، غضب غضبا لم يغضب مثله، كما قال راوى الواقعه من الصحابة وقال:"إن منكم منفِّرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة" [3] .
ومن الفروع المهمَّة المنبثقة عن قاعدة التخفيف والتيسير: فرع أو قاعدة (العسر وعموم البلوى) . فجعل السيوطي هذا العذر أو السبب من أسباب التخفيف مركبا من
(1) - متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (3560) ، ومسلم في الفضائل (2327) ، كما رواه أحمد (24549) ، وأبو داود في الأدب (4785) ، عن عائشة.
(2) - متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (6106) ، ومسلم في الصلاة (465) ، كما رواه أحمد (14190) ، وأبو داود في الصلاة (600) ، والنسائي في الإمامة (835) ، عن جابر.
(3) - متفق عليه: رواه البخاري في العلم (90) ، ومسلم في الصلاة (466) ، كما رواه أحمد (17065) ، والنسائي في الكبري في العلم (5860) ، عن أبي مسعود.