فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 137

المتجددة؟ أو يقال: نحن مقلدون، وما لنا إحداث شرع، لعدم أهليتنا للاجتهاد، فنفتى بما في الكتب المنقولة عن المجتهدين؟.

ثم يجيب عن هذا السؤال الخطير بقوله:

(إن استمرار الأحكام التي مدركها العوائد - مع تغير تلك العوائد - خلاف الإجماع، وجهالةٌ في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد، يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديدا للاجتهاد من المقلدين، حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد) [1] .

ونلاحظ هنا أن كلام القرافي إنما هو في الأحكام التي مدركها ومستندها العوائد والأعراف، لا تلك التي مستندها ومدركها النصوص المحكمات.

ويعود القرافي إلى هذا الموضوع مرة أخرى في (الفرق الثامن والعشرين) من كتابه الشهير (الفروق) فيؤكد أن القانون الواجب على أهل الفقه والفتوى مراعاته على طول الأيام، هو ملاحظة تغير الأعراف والعادات بتغير الأزمان والبلدان.

ويقول بكل جلاء:

(فمهما تجدد في العرف اعتبْره، ومهما سقط أسِقْطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك. بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك، لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأجْرِه عليه، وأفته به دون عرف بلدك، ودون المقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح. والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين) [2] .

أما عند الحنفية، فنجد مجموعة كبيرة من الأحكام الاجتهادية التي قال بها المتقدمون أعرض عنها المتأخرون، وأفتوا بما يخالفها، لتغير العرف، نتيجة لفساد الزمن، أو تغير الوضاع أو تطور الحياة، أو غير ذلك، ولا غرابة في هذا، فإن أئمة المذهب أنفسهم - أبا

(1) - الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام صـ 231، طبعة حلب، تحقيق الشيخ أبي غدة.

(2) - الفروق (1/ 176 - 177) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت