فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 137

وفي صحيح البخاري، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قدمتُ المدينة فلقيتُ عبد الله بن سلام فقال لي: إنك بأرضٍ الربا فيها فاشٍ، فإذا كان لك على رجل حقٌّ فأهدى إليك حِمْل تبن، أو حِمل شعير، أو حمل قتٍّ فلا تأخذه، فإنه ربا [1] .

وروى سعيد بن منصور في سننه هذا المعنى، عن أبي بن كعب [2] وجاء عن ابن مسعود [3] ، وعبد الله بن عباس [4] ، وعبد الله بن عمرو ونحوه وكلُّ ذلك سدًّا لذريعة أخذ الزيادة في القرض الذي موجبه ردُّ المثل.

ونهى عن بيع الكالئ بالكالئ [5] ، وهو الدين المؤخَّر بالدين المؤخَّر؛ لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة، فلو كان الدينان حالَّين لم يمتنع، لأنهما يسقطان جيعا من ذمَّتهما، وفي الصورة المنهي عنها: ذريعة إلى تضاعف الدين في ذمة كلِّ واحد منهما في مقابلة تأجيله، وهذه مفسدة ربا النَّساء بعينها) [6] .

وقد كنا نستغرب ما يُحكَى عن بعض الحنفية وغيرهم، من عمل (الحيل الشرعية) أو (الفقهية) ليتخلَّص بها بعض الناس من وجوب الواجبات، أو من تحريم المحرَّمات، وكان منا مَن يرى ذلك مُفترًى عليهم للتشنيع من خصومهم، حتى رأينا بأعيننا في عصرنا من العلماء الشرعيين أو الاقتصاديين الاسلاميين، مَن يبتكر حِيَلا مثل تلك الحيل القديمة، لإجازة بعض صور المعاملات الحديثة، التي تقوم بها المصارف أو البنوك الاسلامية، هي في المعنى والجوهر نفس ما تقوم به البنوك الربوية، روحا وأثرا ونتيجة،

(1) - رواه البخاري في مناقب الأنصار (3814) .

(2) - رواه عبد الرزاق في البيوع (14652) ، والبيهقي في البيوع (5/ 349) : عن زر بن حبيش قال قلت لأُبيّ بن كعب: يا أبا المنذر إنى أريد الجهاد فآتى العراق فأقرض؟ قال: إنك بأرض الربا فيها كثير فاش، فإذا أقرضت رجلا فأهدى إليك هدية، فخذ قرضك واردد إليه هديته.

(3) - رواه عبد الرزاق في البيوع (14658) ، وابن أبي شيبة في البيوع والأقضية (21068) : عن ابن سيرين، قال: استقرض رجل من ابن مسعود دراهم فقضاه، فقال له: الرجل: إني تجاوزت لك من جيد عطائي، فكره ذلك ابن مسعود وقال: مثل دراهمي.

(4) - رواه عبد الرزاق في البيوع (14650) ، وابن أبي شيبة في البيوع (21058) : عن ابن عباس قال: إذا أقرضت قرضا فلا تهدين هدية كراعا، ولا ركوب دابة.

(5) - رواه ابن أبي شيبة في البيوع (22566) ، والطحاوي في معاني الأثار (5132) ، والبيهقي في البيوع (5/ 290) ، قال الحافظ في التلخيص (3/ 26) : قال أحمد بن حنبل: لا تحلّ عندي عنه - موسي بن عبيدة الرَّبَذي - الرواية، ولا أعرف هذا الحديث عن غيره، وقال أيضًا: ليس في هذا حديث يصح، لكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين، وقال الشافعي: أهل الحديث يوهنون هذا الحديث، وقد جزم الدارقطني في العلل بأن موسى بن عبيدة تفرد به.

(6) - إغاثة اللهفان صـ 307، 308.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت