بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:173] . ومن رفض حكم الضرورة حتى مات فقد أثم. على أن الحاجة قد تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت أو عامة، كما قالوا. وقد قالوا هنا: ما حرم لذاته يباح للضرورة، وما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة.
ومن مظاهر التيسير: التقليل في التكاليف، كما أشرنا في القاعدة الأولى، ولا سيما في ايجاب الواجبات، وتحريم المحرمات. فلا تلزم الناس بما لم يلزمهم الله به، وإلالزام من الله لا بد أن يكون بنص ثابت جلى. أى صحيح صريح. حتى لا نشرع للناس في دينهم ما لم يأذن الله به. أو نحرم عليهم ما أحل الله لهم.
ولهذا أجمع العلماء على أن الحديث الضعيف لا يعمل به في الأحكام، فلا يرتقي إلى أن يحرم حرما، أو يوجب فرضا، بل أى حديث أو نص فيه شبهة، لا يصلح حجه في اثبات الفرضية والتحريم.
ومن مظاهر التيسير: وجود متسع للخلاف، وتعدد وجهات النظر في المسألة الواحدة، فهذا يحرم، وهذا يكرّه، وهذا يبيح. وفي المنهيات، هذا يوجب، وهذا يستحب، وهذا لا يوجب ولا يستحب، ويترك الأمر في دائرة (العفو) . ولهذا قرر المحققون: أن اختلاف العلماء رحمة واسعة. كما أن اجماعهم حجة قاطعة.
وقد بينا بالأدلة: أن اختلاف العلماء في آرائهم الفقهية والعلمية: ضرورة ورحمة وسعة. وفي هذه السعة التي تتميز بها الشريعة وفقهها، نجد أن مذهبا أو رايا، قد يصلح لبيئة، ولا يصلح لأخرى، ويصلح لفئة ولا يصلح لأخرى، ويصلح لبلد ولا يصلح لآخر.
ومن هنا يلزم كل فقيه معاصر يبحث في معاملات الناس: أن يخرج من قمقم (المذهبية الضيقة) إلى باحة الشريعة الرحبة. بمذاهبها واتجاهاتها المختلفة، فسيجد فيها ثروة يصول فيها ويجول.