ومن القواعد الحاكمة لفقه المعاملات: قاعدة (العبرة بالمقاصد والمسمَّيات لا بالألفاظ والتسميات) ، وهي التي يُعبَّر عنها بقاعدة: (الأمور بمقاصدها) وهي من القواعد الخمس المتَّفق عليها في الفقه، بل جعلوها أولى هذه القواعد، وبعدها قاعدة (اليقين لا يزول بالشكِّ) ، وقاعدة (الضرر يُزال) ، وقاعدة (العادة مُحكَّمة) ، وقاعدة (المشقَّة تجلب التيسير) .
وهي في المجلة المادة رقم (2) ، وهي رقم (1) في القواعد، وقد تفرَّعت منها قاعدة أخرى تكمِّلها، وهي في المجلة المادة رقم (3) ، وهي قاعدة العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
وقد قال العلامة التركى على حيدر في شرح هذه المادة من كتابه (درر الحكام شرح مجلة الأحكام) : (يفهم من هذه المادة: أنه عند حصول العقد، لا ينظر للألفاظ التي استعملها العاقدان حين العقد، بل إنما ينظر إلى مقاصدهم الحقيقية من الكلام، الذي يُلفظ به حين العقد، لأن المقصود الحقيقي هو المعنيّ وليس اللفظ، ولا الصيغة المستعملة، وما الألفاظ إلا قوالب للمعاني. ومع ذلك فإنه ما لم يتعذَّر التأليف بين الألفاظ والمعاني المقصودة، لا يجوز إلغاء الألفاظ. مثال ذلك: بيع الوفاء، فاستعمال كلمة البيع فيه التي تتضمَّن تمليك المبيع للمشتري أثناء العقد، لا يفيد التمليك؛ لأنه لم يكن مقصودا من الفريقين، بل المقصود به إنما هو تأمين دين المشتري المترتِّب في ذمة البائع، وإبقاء المبيع تحت يد المشتري لحين وفاء الدين، ولذلك لم يخرج العقد عن كونه عقد رهن، فيجري به حكم الرهن، ولا يجري حكم البيع.
فبناء على ما تقدَّم يحقُّ للبائع بيعا وفائيا أن يُعيد الثمن ويستردَّ المبيع، كما أنه يحقُّ للمشتري أن يعيد المبيع ويسترجع الثمن، ولو كان العقد بيعا حقيقيا لما جاز إعادة المبيع واسترداد الثمن، إلا باتفاق من الفريقين على إقالة البيع.
مثال ثان: لو اشترى شخص من (بقَّال) رطل سكَّر، وقال له خُذ هذه الساعة (أمانة) عندك حتى أحضر لك الثمن، فالساعة لا تكون (أمانة) عند البقَّال، بل يكون حكمها حكم