قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:136، 137] ، فذكر ما ابتدعوه من العبادات ومن التحريمات.
وفي صحيح مسلم، عن عِيَاض بن حِمَار رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"قال الله تعالى: إني خلقتُ عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" [1] .
وهذه قاعدة عظيمة نافعة وإذا كان كذلك، فنقول: البيع والهبة والإجارة وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم - كالأكل والشرب واللباس - فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة، فحرَّمت منها ما فيه فساد، وأوجبت ما لا بد منه، وكرهت ما لا ينبغي، واستحبَّت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها.
وإذا كان كذلك، فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف شاءوا، ما لم تحرِّم الشريعة، كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا، ما لم تحرِّم الشريعة، وإن كان بعض ذلك قد يستحب، أو يكون مكروها، وما لم تحد الشريعة في ذلك حدًّا، فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي) [2] .
وقد يتفرَّع عن هذه القاعدة الأصلية قاعدة أخرى تكمِّلها، وهي: الأصل في البيوع الحِل، فإذا كان الأصل في المعاملات عامة هو الحِل والإباحة، كما فصَّلناه من القرآن والسنة، فإن البيع - خاصَّة - جاء في حِلِّه نصٌّ صريح من كتاب الله تعالي، يردُّ على اليهود الذين زعموا أن الربا كالبيع أو البيع كالربا، لا فرق بينهما، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275] ، فهذه الجملة القرآنية: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} ، تفيد حِلَّ كلِّ نوع من أنواع البيوع، سواء كان عينا بعين (المقايضة) ، أم ثمنا بثمن (الصرف) ، أو ثمنا بعين (السلم) ، أو عينا بثمن (البيع المطلق) وسواء كان حالاًّ أم مؤجَّلا، نافذا أو موقوفا، وسواء كان بيعا بطريق المساومة، أم بطريق الأمانة، وهو يشمل: المرابحة:
(1) - رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها (2865) ، وأحمد في المسند (17484) ، والنسائي في فضائل القرآن (8016) .
(2) - انظر: القواعد الفقهية النوارنية لابن تيمية صـ 111، 112، تحقيق محمد حامد الفقي، دار المعرفة بيروت، 1399 هـ.