يضعونها في يوم الجمعة، لينزل فها السمك يوم السبت، ليستولوا عليه يوم الأحد، وقصَّ القرآن قصَّتهم التي انتهت إلى أن مسخهم الله قرَدة خاسئين. قال تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَاتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَاتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف:163] .
ومن حسن فقه الإمام البخاري: أنه جعل في كتبه العلمية الكثيرة من صحيحه كتاب (الحِيَل) ، يعنى تركها وتأثيم فاعلها، يردُّ بذلك على بعض مَن جوزها من الفقهاء الذين يعبِّر عنهم بلفظ (بعض الناس) ، وعادة يقصد بها الحنفية أو بعض رجالهم.
والحيل صورة مقبولة الظاهر فقها، مغشوشة الباطن، تعود على حكمة الشرع ومقاصده بالإبطال، فهو يريد الحظر وهي تبيح، أو يطلب الإيجاب وهي تسقط.
واستدلَّ البخاري لذلك بحديث:"إنما الأعمال بالنيات"، وبأحاديث أخرى جاءت في أبواب مختلفة من صحيحه مثل ما جاء في الزكاة من النهي عن تفريق المجتمع من الغنم، أو جمع المتفرِّق، خشية الصدقة، كما جاء في حديث الزكاة الطويل [1] .
قال: وقال بعض الناس: إذا بلغت الإبل عشرين ففيها أربع شياه، فإن وهبها قبل الحَول أو باعها فرارا أو احتيالا لاسقاط الزكاة فلا شيء عليه، وكذلك إذا أتلفها فماتت فلا شيء عليه [2] وهو ما ينكره البخاري وغيره من الأئمة والعلماء.
(قال ابن المنيِّر: اتَّسع البخاري في الاستنباط، والمشهور عند النُّظار حمل الحديث على العبادات، فحمله البخاري عليها وعلى المعاملات، وتبع مالكا في القول بسدِّ الذرائع، واعتبار المقاصد، فلو فسد اللفظ، وصحَّ القصد، أُلغى اللفظ، وأُعمل القصد، تصحيحا وإبطالا، قال: والاستدلال بهذا الحديث على سدِّ الذرائع وإبطال التحيُّل من أقوى الأدلَّة. ووجه التعميم أن المحذوف المقدَّر الاعتبار، فمعنى الاعتبار في العبادات إجزاؤها وبيان مراتبها، وفي المعاملات، وكذلك الأيمان الردُّ إلى القصد) [3] .
(1) - رواه البخاري (1450) ، وأبو داود (1567) ، والنسائي (2447) ، وابن ماجه (1800) ، جميعهم في الزكاة، عن أبي بكر الصديق.
(2) - صحيح البخاري (9/ 23) .
(3) - الفتح (16/ 238) ، دار طيبة.