وقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) قاعدة أساسية كبرى في الفقه الإسلامي، وهي إحدي القواعد الخمس، حتى ذهب بعضهم أنها يمكن أن تُغني عن القواعد الأخرى: الأمور بمقاصدها، والمشقة تجلب التيسير، والعادة محكمة، واليقين لا يزال بالشك.
وهذه القاعدة - كما يرى العلامة مصطفي الزرقا - من أركان الشريعة، وتشهد لها نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، وهي أساس لمنع الفعل الضارِّ، وترتيب نتائجه في التعويض المالي والعقوبة، كما أنها سند لمبدأ الاستصلاح في جلب المصالح ودرء المفاسد، وهي عدَّة الفقهاء وعمدتهم وميزانهم في طريق تقرير الأحكام الشرعية للحوادث.
أ- ونصها ينفي الضرر نفيا، فيوجب منعه مطلقا، ويشمل الضرر الخاص والعام، ويشمل ذلك دفعه قبل الوقوع بطرق الوقاية الممكنة، ورفعه بعد الوقوع بما يمكن من التدابير التي تزيل آثاره وتمنع تكراره. وتدلُّ أيضا على وجوب اختيار أهون الشرَّين لدفع أعظمهما، لأن في ذلك تخفيفا للضرر عندما لا يمكن منعه بتاتا.
ومن ثم كان إنزال العقوبات المشروعة بالمجرمين لا ينافي هذه القاعدة، وإن ترتَّب عليها ضرر بهم، لأن فيها عدلا ودفعا لضرر أعم وأعظم.
ب- والمقصود بمنع الضرار: نفي فكرة الثأر المحض، الذي يزيد في الضرر، ولا يفيد سوى توسيع دائراته؛ لأن الإضرار - ولو على سبيل المقابلة - لا يجوز أن يكون هدفا مقصودا وطريقا عامة، وإنما يلجأ إليه اضطرارا، عندما لا يكون غيره من طرق التلافي والقمع أفضل منه وأنفع.
فمَن أتلف مال غيره مثلا لا يجوز أن يقابل بإتلاف ماله، لأن ذلك توسيع للضرر بلا منفعة، وأفضل منه تضمين المتِلف قيمة ما أتلف، فإن فيه نفعا بتعويض المضرور، وتحويل الضرر نفسه إلى حساب المعتدي، فإنه سيَّان بالنسبة إليه إتلاف ماله وإعطاؤه للمضرور لترميم الضرر الأول فأصبحت مقابلة الإتلاف بالإتلاف مجرَّد حماقة.
وذلك بخلاف الجناية على النفس والبدن مما شرع فيه القصاص فمَن قتَل يُقتل، ومن قَطَعَ يُقطع، لأن هذه الجنايات لا يقمعها إلا عقوبة من جنسها، كي يعلم الجاني أنه في