فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 137

وعند الحنابلة، نجد شيخ الإسلام ابن تيمية يؤكِّد (أن عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود الى تحقيق العدل، والنهي عن الظلم, دقَّه وجلَّه، مثل أكل المال بالباطل، وجنسه من الربا والميسر.

ثم يقول: (والأصل في هذا، أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دلَّ الكتاب والسنة على تحريمه، كما أنه لا يشرع لهم من العبادات التي يتقرَّبون بها إلى الله إلا ما دلَّ الكتاب والسنة على شرعه، إذ أن الدين ما شرعه الله، والحرام ما حرَّمه الله، بخلاف الذين ذمَّهم الله، حيث حرَّموا من دين الله ما لم يحرِّمه الله، وأشركوا به ما لم ينزِّل به سلطانا، وشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله) [1] .

ومن هذا الأصل أو هذه القاعدة، تُستخرج قاعدة أخرى، وهي: أن الأصل في العقود والشروط الإباحة أيضا.

على خلاف مَن يقول من الفقهاء: إن العقود والشروط مسمَّاة ومحدودة في الشرع، البيع والإجارة والمشاركة والمضاربة والمساقاة والوكالة ... إلخ ولا يجوز الزيادة عليها. فما يستخدمه الناس في دنياهم من عقود جديدة، بشروط جديدة، وصيغ جديدة، فهو مرفوض شرعا عندهم، معتمدين على حديث:"مَن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" [2] أي باطل مردود عليه. وهذا إنما جاء في العبادات، لا في العادات والمعاملات، وكذلك حديث:"كلُّ شرط ليس في كتاب، الله فهو باطل" [3] فإن معناه: ما لا يوافق القرآن، أو مقاصد الإسلام، فهو باطل، وليس المراد ما فهموه.

وهذا ما ذهب إليه الحنابلة، وقرَّره ابن تيمية بوضوح، وأقام الأدلَّة الشرعية عليه، وهو ما رجَّحه الفقهاء المعاصرين، لأنه الذي يعطي الشريعة الغراء السعة والمرونة، والقدرة على استيعاب المعاملات الجديدة. وهو ما تبناه العلامة مصطفي الزرقا في كتابه

(1) - السياسة الشرعية لابن تيمية صـ 211، طبعة دار المعرفة.

(2) - متفق عليه: رواه البخاري في الصلح (2697) ، ومسلم في الأقضية (1718) ، كما رواه أحمد في المسند (26033) ، وأبو داود في السنة (4606) ، وابن ماجه في المقدمة (14) ، عن عائشة.

(3) - متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (2155) ، ومسلم في العتق (1504) ، كما رواه أحمد (25504) ، وابن ماجه في العتق (2521) ، عن عائشة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت