فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 137

القاعدة الرابعة: لا ضرر ولا ضرار

ومن القواعد الحاكمة والمهمَّة هنا: قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) ، وأصلها الحديث النبوي المشهور:"لا ضرر ولا ضرار"، وقد صححه العلماء بمجموع طُرُقه [1] . وهو من أحاديث الأربعين (النوويه) والخمسين (الرجبيه) .

ومعناه مقطوع به، لأنه مستنبط من آيات القرآن الكثيرة الناهية عن الضرر والضرار. ولهذا اتفقت كتب القواعد الفقهية، أو الأشباه والنظائر، على أن هذه القاعدة من القواعد الخمس الأساسية. بل ذهب بعضهم إلى أنه يمكن الاكتفاء بها عن كل القواعد. وهي من ركائز الاستدال على المصلحة المرسلة. وقد بالغ العالم الحنبلي المعروف نجم الدين الطوفي (716 هـ) في شرحه للحديث، من (الأربعين النوويه) واستنبط منه نفي الضرر والمفاسد شرعا، وهو نفي عام، إلا ما خصَّه الدليل، وهذا يقتضى تقديم مقتضى هذا الحديث على جميع أدلَّة الشرع، وتخصيصها به في نفي الضرر، وتحصيل المصلحة، وأطال في التدليل على هذا، مما فهم منه بعض الناس أنه يقدِّم المصلحة على النصِّ القطعي، وهو فَهم غير صحيح إذا قُرئ كلامه كلُّه [2] ولكن في بعض كلامه إبهامات وتجاوزات.

والضرر هو: الأذى أو الفساد يلحق بالشئ أوالشخص.

(1) - رواه أحمد (2865) ، وقال مخرجوه: حسن، و ابن ماجه في الأحكام (2381) ، عن ابن عباس، والدارقطني في البيوع (3/ 77) ، عن أبي سعيد الخدري، وقال النووي في الأربعين (الحديث الثاني والثلاثون) : حديث حسن، رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندا، ورواه مالك في الموطأ مرسلا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوي بعضها بعضا، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم في شرحه للحديث: وقال أبو عمرو بن الصلاح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم، واحتجوا به، وقول أبي داود: إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف، والله أعلم. وقال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (2/ 438) : وصححه إمامنا (أي الشافعي) في حرملة. وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/ 210) : وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث فقال: قال النبي صلي الله عليه وسلم"لا ضرر ولا ضرار".

(2) - التعيين في شرح الأربعين للطوفي (234 - 280) ، نشر مؤسسة الريان، بيروت. ومما قاله في هذا السياق عن النص: وأما النص، فهو إما متواتر أو آحاد، وعلى التقديرين فهو إما صريح في الحكم، أو محتمل، فهي أربعة أقسام، فإن كان متواترا صريحا فهو قاطع من جهة متنه ودلالته، لكن قد يكون محتملا من جهة عموم أو إطلاق، وذلك يقدح في كونه قاطعا مطلقا. فإن فرض عدم احتماله من جهة العموم أو الإطلاق، ونحوه، وحصلت فيه القطيعة من كل جهة بحيث لا يتطرق إليه احتمال بوجه. منعنا أن مثل هذا يخالف المصلحة، فيعود إلى الوفاق. وإن كان آحادا محتملا فلا قطع، وكذا إن كان متواترا محتملا، أو آحادا صريحا لا احتمالا في دلالته بوجه، لفوات قطيعته من أحد طرفيه إما متنه أو سنده) أهـ، فهو هنا يمنع صراحة أن يخالف النص القطعي في سنده وفي دلالته: المصلحة. انظر: (كتابنا الدين والسياسة) صـ 96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت