فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 137

حنيفة وأصحابة - قد فعلوا ذلك. ذكر السرخسى: أن الإمام أبا حنيفة في أول عهد الفرس بالإسلام، وصعوبة نطقهم بالعربية، رخص لغير المبتدع منهم أن يقرأ في الصلاة بما لا يقبل التأويل من القرآن باللغة الفارسية، فلما لانت ألسنتهم من ناحية، وانتشر الزيغ والابتداع من ناحية أخرى، رجع عن هذا القول.

وذكر كذلك: أن أبا حنيفة كان يجيز القضاء بشهادة مستور الحال في عهده - عهد تابعى التابعين - اكتفاء بالعدالة الظاهرة، وفي عهد صاحبيه - أبي يوسف ومحمد - منعا ذلك، لانتشار الكذب بين الناس [1] .

ويقول الحنفية في مثل هذا النوع من الخلاف بين الإمام وصاحبيه: هو اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان.

وقد أصبح من القواعد الفقهية الأساسية عند الحنفية كما هي عند الشافعية وغيرهم: قاعدة (العادة محكَّمة) [2] .

وكتب في ذلك ابن عابدين - كما أشارنا من قبل - رسالته القيمة التي سمَّاها (نشر العَرف فيما بنى من الأحكام على العُرف) بين فيها أن كثيرا من المسائل الفقهية الاجتهادية، كان يبنيها المجتهد على ما كان في عرف زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولا.

ولذا قالوا في شروط المجتهد: ولا بد فيه من معرفة عادات الناس، قال: (فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان، لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، او فساد أهل الزمان، بحيث لو بقى الحكم على ما كان عليه، للزم منه المشقة والضرر بالناس، لخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير، ودفع الضرر والفساد، لبقاء العام على أتم نظام، وأحسن إحكام) .

(1) - أصول التشريع الإسلامي للأستاذ على حسب الله صـ 84 - 85.

(2) - انظر: (القاعدة السادسة من الفن الأول) القواعد الكلية، من كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم صـ 93 - 102، بتحقيق عبد العزيز الوكيل. ط. الحلبى، وكذلك الأشباه والنظائر للسيوطي الشافعي صـ 89 - 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت