فهرس الكتاب
علماء الفقه: أن بقاء هذين النصابين أمر واجب ودائم، لا يجوز المساس به، وكل كتب الفقه تردده. وقد ناقشنا هذا الأمر من قديم في كتابنا (فقه الزكاة) وبينا أن لا معنى لاستمرار هذا الحكم المبنى على عرف كان قائما في زمن النبوة ثم تغير، ولم يعد له وجود اليوم.
ذلك أن النصاب هو الحد الأدنى الموجب للغنى من أى مال كان. مثل خمس من الأبل، أو أربعين شاة من الغنم أو خمسة أوسق من الحبوب أو نحو ذلك. فمن لم يملك هذا النصاب أو الحد الأدنى اعتبر فقيرا ولم تجب عليه زكاة. ومن ملكه اعتبر غنيا تجب علية الزكاة.
وفي كل أنواع الأموال، من الحيوانات أو الحبوب والثمار وغيرها، حدد النصاب بوضوح، وهو مقدار واحد معلوم، إلا في زكاة النقود أو الأثمان (الذهب والفضة) فجعل فيها نصابان أحدهما للنقود الفضية الدراهم (200 درهم) ، والآخر للنقود الذهبية الدنانير (20 دينارا) وكانت العشرون دينارا من الذهب تصرف ب (200) درهم من الفضة، والعكس بالعكس، فلم يقصد الرسول الكريم أن يجعل نصابين متفاوتين قط. وإنما هو مقدار واحد بعملتين مختلفتين، كان المجتمع يتعامل بهما. لأن المجتمع العربي في عصر النبوة لم يكن له عملة خاصة به، بل كانت النقود الفضية (الدراهم) . وهي الأغلب تأتي إليه من فارس، وكانت النقود الذهبية (الدنانير) تأتي إليه من دولة الروم البيزنطية.
وقد بينت في كتابي (فقه الزكاة) شدة تفاوت ما بين نصاب الذهب ونصاب الفضة في عصرنا. حتى إن نصاب الذهب - عند تأليفي الكتاب- يساوى ثلاثة عشر نصابا من الفضة، وهو ما لا يقبل. وقد عقبت عليه قائلا:
(إن معنى هذا الكلام أن هناك نصابين للزكاة في النقود، وبينهما تفاوت هائل، فهل تقبل عدالة التشريع الإسلامي هذا التفاوت الضخم الذي يبلغ أحد النصابين فيه ضعف الآخر أكثر من ثلاث عشرة مرة؟ وهل يقبل منا أن نترك المسلم في حيرة أمام هذين النصابين المختلفين أشد الاختلاف؟ وهل يسوغ في العقل أو في الشرع أن نقول لمن يملك خمس جنيهات: أنت غنى بحسب نصاب الفضة؛ ونقول لمن يملك خمسين جنيهًا: أنت فقير بحسب نصاب الذهب؟! لا شك أن هذا غير سائغ ولا جائز والأحاديث والآثار التي قدرت النصاب في النقود بمائتي درهم من الفضة، وبعشرين دينارًا من الذهب، لم تقصد