يحفظ البعض قاعدتين ويظن أنه قد جمع الفقه من أطرافه، وأنه يستطيع من خلال هاتين القاعدتين أن يجيب على أي سؤال، وأن ما كتب في الفقه من مؤلفات ما هو إلا نقطة كثرها الجاهلون، وهاتان القاعدتان هما: الأصل في العبادات التوقف وفي المعاملات الإباحة.
عجبا من هذه الجرأة، لو كان الأمر كذلك لكان صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم - فقهاء مجتهدون بل لكان المسلمون كذلك، لأن حفظ قاعدتين، ليس بالأمر المستحيل ولا الصعب.
ولو كان الأمر كذلك لما قال الله: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} و لما قال: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} ولما احتجنا إلى علماء وفقهاء، ولا إلى أئمة أجلاء يزيلون غبش الجهل والبدعة، ولكان من الغباء الماحق تصنيف عشرات الكتب في الفقه والقواعد والأصول وغيرها، ولما احتجنا إلى الرحلة والقراءة والمعرفة، ولهان الخطب!!
وأس المشكلة الجهل، والتكاسل أو التكبر أحيانا من القعود على الركب والانكباب على الكتب، وتسويد الطروس، بالفوائد الشموس التي تبدد ظلمة الجهل، وتزيح غبش الفكر، مع هذا إذا ما استولت الغفلة على عقولنا واستبد الكسل بأبداننا وفئران الوقت بزماننا فعلينا بمراجعة أولي العلم، الذين أمرنا الله بالرجوع إليهم وسؤالهم إذا ما دهمتنا أمور أو استبدت بنا حوادث.
أما ألّا نكون لا من هؤلاء ولا من أولئك فهو الضياع بعينه، في الدنيا والأخرى، وجهلنا المركب لن يغنينا عند الله شيئا.
إن من عجائب زماننا هذا إنكار البدهيات، ويحتاج البعض إلى القبول بها والتسليم بها جملة من التقريرات العقلية أو النقلية، وكأن الشمس لا ترى لذي عينين.
وهذا نجده في فئة من الصالحين المتدينين وفي غيرهم بل نجده فيمن يزعم أنه يتربع في أعلى سلم التفضيل البشري والتقنية الإنسانية.