الحياة اليوم ليست كما هي عليه بالأمس فبعد أن كانت حياة بسيطة غدة اليوم حياة معقدة متشابكة، ترتبط أجزاؤها ببعضها البعض بحيث يصعب فك هذا الاشتباك، ويكون من الخطأ الجسيم معالجة قضية ذات بعد اجتماعي دون النظر إلى اصدائها وتأثيراتها السياسية والاقتصادية، وتزداد القضية تعقيدا وخطورة عندما تتعلق بالمجتمع المسلم برمته، فهنا يتطلب الأمر حذقا وفقها واحتياطا ودراسة وتأملا زائدا، وليس هذا فقط، بل يحتاج إلى الرجوع إلى علماء التخصصات الأخرى، فعندما تناقش مسألة اقتصادية نحتاج -مثلا- إلى علماء اقتصاد واجتماع وسياسة ليضعوا أمامنا التصور الواضح الكامل عن المسألة المطروحة
وأبعادها والمصالح والمفاسد الواقعة والمتوقعة، والحلول من وجهة نظرهم، ثم يأتي الفقيه ليطلع على ذلك كله ويناقشه مع أهله، فيتمكن حينئذ من تزييف أو تصحيح المصالح والمفاسد، واعتماد الحلول والوسائل الشرعية.
أما الاكتفاء بنظرته الجزئية الخاصة وبناء الفتوى عليها فليس سديدا البته، ولا يبعد صاحبه من الإثم لأن المجتهد الذي يسلم من الأثم هو من بذل وسعه ورجع إلى أهل التخصصات المتعلقة بمحل الفتوى، أما التمحور حول الذات فلا يجوز البتة، إذ لم يعد يوجد اليوم الفقيه الموسوعي المتبحر في علوم الدين والدنيا، لسبب بسيط وهو كثرة هذه العلوم وتشعبها بحيث يفني المرء حياته في تخصص دقيق جدا وهو في النهاية لم يعلم منه إلا القليل {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} هذا إضافة إلى ما تستفيده الفتوى من توارد عقول عليها ومراجعتها ولهذا كان الأصل أن يتعدد المجتهدون كي يدلو كل واحد بدلوه، فتتمحص الفتوى دراسة ومناقشة فتخرج أقرب إلى الصواب إن لم تكن صوابا.
ذكر أهل العلم أن الفتوى والتدريس لا يتوقف على الإجازة من الشيخ ونحوه وأن الشرط إنما هو الأهلية لذلك، وهذا كلام صحيح لا غبار عليه، ولكن هنا كلمتان: