قال ابن القيم: ما حرم سدًّا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة كما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب من جملة النظر المحرم وقد تكون الحاجة المنزلة مستثناة بنص كبيع العرايا ونحوها، هذه هي الأحوال الحاجة الصالحة لتنزيلها منزلة الضرورة، فإذا شرع الحكم للحاجة فيتقيد فيه بقدرها على خلاف الأصل ولا يتوسع فيها توسع المباح، فالأصل ألا تكون الإباحة في ثابت المنع عند الحاجة إليه لا على قدر المبيح إلا بدليل عند مالك والشافعي خلافًا لأبي حنيفة، فالقاعدة المستمرة عند مالك والشافعي أن الموضوع إذا أبيح لحاجة إليه أو لضرورة، أن تكون الإباحة مقيدة لدفع الحاجة دون زيادة إلا بدليل يدل على الزيادة وهذا معنى قولهم: الضرورة تقدر بقدرها فالذي يبيح حرمة الربا الضرورة أما الحاجة فلا.
قال الزركشي والسيوطي: الضرورة هي بلوغه حدًّا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب وهذا يبيح تناول الحرام، والحاجة كالجائع لو لم يجد ما يأكله لم يهلك غير أنه في جهد ومشقة وهذا لا يبيح الحرام، وقال الشافعي: وليس يحل بالحاجة محرم إلا في الضرورات من خوف تلف النفس، فأما غير ذلك فلا أعلمه يحل الحاجة، والحاجة فيه وغير الحاجة سواء.
فيظهر أن الربا المقطوع بحرمته وهو في أعلى المراتب لا يباح ولا تباح شبهته للحاجة ولو همت؛ لذا رد جمهور الفقهاء قول الحنفية بإباحة بيع الوفاء، وهو بيع المال أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع، وقد اشتدت الحاجة إليه في بخارى وشاع بسبب كثرة الديون على أهلها، فأباحه الحنفية وأنكره بعضهم ورده جمهور الفقهاء؛ لأنه انتفاع بالعين في مقابلة الدين وهو من قبيل الربا أو أنه صفقة مشروطة في صفقة وهو غير جائز، وهذا ما اتجه إليه مجمع الفقه في دورته الثامنة ..