فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 108

وبعد: فهذه هي جملة أدلة الأحناف على ما ذهبوا إليه، وقد رأينا فيها من ضعف، الأمر الذي لا يصح معه تقييد النصوص الجلية القاطعة الواردة في تحريم ربا النسيئة بمثل هذه الاحتمالات الضعيفة، ومن أجل هذا لم تقبل بقية المذاهب المتبوعة رأي الأحناف في هذه المسألة؛ بل رده كذلك أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة- رحمه الله.

أما ما ذكر من أنه كم من اجتهادات لم يقبل بها السواد الأعظم من أهل العلم في زمانها، ثم فاءت الأمة إليها، ووجدت فيها مخرجًا من أزماتها بعد حين من الدهر، وذلك كاجتهادات شيخ الإسلام في باب الطلاق الثلاث والحلف بالطلاق ونحوه، فهو حق في ذاته، لكن المنازعة في صلاحيته للتطبيق في هذا المقام؛ إذ لا يخفي أن اجتهادات شيخ الإسلام في هذه المسائل لم تُقبل لمجرد أن شيخ الإسلام قال بها؛ بل لما لاحظه من اعتبرها من قوة أدلتها، وسبق بعض السلف الصالح من القرون الفاضلة إلى القول بموجبها، فأرجو الانتباه إلى الفارق بين المسألتين!

هل ورد في المذاهب الأخرى قول بإباحة الربا مع الحربي في دار الحرب؟

لقد ورد عن بعض الأئمة المتبوعين ما يفيد جواز ذلك عند انعدام الأمان بين المسلم والحربي، فقد نص على ذلك مجد الدين ابن تيمية في المحرر حيث قال: «الربا محرم في دار الإسلام والحرب، إلا بين مسلم وحربي لا أمان بينهما» (المحرر: 1/ 318) ، كما ورد ذكره كذلك عن آخرين من علماء الحنابلة، كما ورد عن بعض علماء المالكية القول بكراهية ذلك وعدم تحريمه، ففي البيان والتحصيل لابن رشد الجد قوله: «وكذلك الربا مع الحربي في دار الحرب مكروه، وليس بحرام؛ لأنه لما جاز له أن يأخذ من ماله يؤتمن عليه لم يحرم عليه أن يربي معه فيه، وكره من أجل أنه لم يأخذ على الوجه الذي أبيح له أخذ ماله، وإنما أخذه بما عامله عليه من الربا» (البيان والتحصيل لابن رشد: 17/ 291) .

ولا يخفى أن هذه النصوص لا تفيد من ذهبوا إلى القول بالحل في هذه النازلة لسببين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت