أما استدلالهم بمراهنة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- للمشركين على ظهور الروم على فارس، بعلم النبي × وإقراره، فإنه موضع نظر، وقد أجاب أهل العلم عنه بعدة أجوبة، منها:
أنه منسوخ بنهي النبي × عن الغرَر والقمار، وذكر من قال ذلك أنه قد جاء في بعض روايات الحديث عن نياز بن مكرم الأسلمي: «قال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك؟ قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان» ، وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة قول النبي ×: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» ، وهو ما ذهب إليه أصحاب مالك والشافعي وأحمد (الفروسية لابن القيم: 6) .
عدم التسليم بحرمة هذا الرهان وفساد عقده، فالمحرم من الرهان هو الرهان الباطل الذي لا منفعة فيه للدين، أما الرهان على ما فيه ظهور أعلام الإسلام وأدلته وبراهينه؛ كرهان أبي بكر فهو مشروع؛ بل هو أولى بالمشروعية من الرهان على النضال وسباق الخيل والإبل! (المرجع السابق: نفس الموضع) .
عدم التسليم بإجازة النبي × لما جاء من المال عن هذا الطريق، لما روي من أن أبا بكر لما قمرهم وأخذ الخطر جاء به إلى النبي × فأمره أن يتصدق به، وقد استدل سفيان بظاهر هذا على أنه لو كان ذلك طيبًا لما أمره النبي × أن يتصدق به. (راجع السير الكبير: 4/ 1411) .
أما استدلالهم بما روي من قوله ×: «أيما دار قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية» ، وقولهم: إن ما وقع في دار الجاهلية من قسمة الميراث فإنه يمضي وإن كان مخالفًا لأحكام الإسلام، ويقاس على ذلك المعاملة بالربا فهو استدلال ضعيف؛ لأنه يحتمل أن معناه أن ما تم بين المشركين من عقود قبل الإسلام لا تنقض ولا يتعرض لها، فيخرج بهذا الاحتمال ما ورد من قوله × من حديث ابن عباس: «كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام» (سنن أبي داود: 2/ 114) .