ومن ذلك أيضًا ما يتضمنه مذهبهم «جواز العقود الفاسدة في دار الحرب» من جواز القمار مع الكفار، وجواز بيع المحرمات إليهم؛ كالخمر والميتة ولحم الخنزير ما دامت وسيلة للحصول على أموالهم التي هي مباحة في الأصل، فهم لا ينظرون إلى فساد العقد في ذاته، وإنما ينظرون إلى كونه وسيلة إلى الحصول على أموال القوم وهي غير معصومة ولا متقومة ابتداء، وما هذه العقود إلا وسائل يسترضيهم بها، ويتجنب من خلالها الوقوع في الغدر في حصوله على أموالهم.
يقول السرخسي الحنفي في كتابه المبسوط: «وإن بايعهم المستأمن إليهم الدرهم بالدرهمين نقدًا أو نسيئة، أو بايعهم في الخمر والميتة والخنزير فلا بأس بذلك في قول أبي حنيفة ومحمد- رحمهما الله تعالى- ولا يجوز شيء من ذلك في قول أبي يوسف -رحمه الله- لأن المسلم ملتزم أحكام الإسلام حيثما يكون، ومن حكم الإسلام حرمة هذا النوع من المعاملة» (المبسوط للسرخسي: 10/ 95) .
وفي فتح القدير للكمال بن الهمام: «فلو باع مسلم دخل إليهم مستأمنًا درهمًا بدرهمين حل، وكذا إذا باع منهم ميتة أو خنزيرًا أو قامرهم أو أخذ المال يحل كل ذلك عند أبي حنيفة ومحمد خلافًا لأبي يوسف» (فتح القدير: 7/ 38) ، فهل يقبل إخواننا المجيزون لهذه النازلة بهذا القول، ويجيزون للمسلم أن يتعامل في بيع المحرمات من الميتة والخمر ولحم الخنزير أو يجيزون له القمار في هذه المجتمعات؟! وهل لقائل أن يقول: إنه إذا أعيد الاعتبار لاجتهادات الأحناف في هذا الباب، فلن يمضي عقد من السنين حتى يتم تطبيع الحس الإسلامي وتطويع الضمير الديني للمقيمين في المجتمعات الغريبة من المسلمين والمسلمات للتعامل بالربا، والتصالح مع الميسر، والتجارة في الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير وغيره من سائر المحرمات!!