الثالثة: أن المسلم في هذه النازلة هو الذي يدفع الفضل للحربي، وليس هو الذي يأخذه منه، فهو الذي يقترض بالربا من الحربي، ويدفع القرض أضعافًا مضاعفة، فهي إذن عكس الصورة التي أجازها الأحناف واتجهت إليها تخريجاتهم الفقهية، ذلك أن قول الأحناف بالحل إنما هو ما كان فيه الفضل للمسلم، والصورة التي معنا على نقيض ذلك، فافترق السبيلان مرة أخرى فتنبه!
وتحرير ذلك أن توجيه الأحناف لهذه المسألة أن الربا لا يقع ابتداء بين المسلم والحربي في دار الحرب؛ لأن الربا اسم لفضل يستفاد بالعقد، والزيادة التي ينالها المسلم من الحربي لا ينالها بمقتضى العقد الربوي؛ بل ينالها بمقتضى الإباحة الأصلية لأموال الحربيين، فالعقد الذي يعقده المسلم مع الحربي لا يفيده تملك الزيادة الربوية؛ بل يفيد منه الرضا الذي يحله من قيد الأمان، ويعيد أموال الحربي إلى أصلها من الحل، فيكون أخذ المسلم للزيادة في هذه الحالة كالاستيلاء على الكلأ والمباحات.
أما أن مذهب الأحناف بأن ذلك فيما كان فيه الفضل للمسلم فهو الذي يشهد به تصريحهم وتخريجهم على حد سواء، ولعل إطلالة سريعة على الكتب المعتمدة في المذهب الحنفي تؤكد هذا المعنى وتزيده جلاء: فقد جاء في بدائع الصنائع للكاساني وهو من أمهات كتب المذهب الحنفي في توجيهه لمذهبهم: «أن مال الحربي ليس بمعصوم؛ بل هو مباح في نفسه إلا أن المسلم المستأمن منع من تملكه من غير رضاه لما فيه من الغدر والخيانة، فإذا بذله باختياره ورضاه فقد زال هذا المعنى، فكان الأخذ استيلاء على مال مباح غير مملوك، وأنه مشروع مفيد للملك، كالاستيلاء على الحطب والحشيش» (بدائع الصنائع: 5/ 192) .