من أجل ذلك فإن الفقهاء عندما تحدثوا عن هذه القاعدة لم يمثلوا لها في الأعم الأغلب بإباحة محرمات قطعية انعقد الإجماع على حرمتها وبطلان العقد بها، كالزنا وربا النسيئة وشرب الخمر أو بيعها وأكل لحم الخنزير أو بيعه ونحوه مما علم تحريمه من الدين بالضرورة؛ بل جل ما ذكروه من تطبيقاته مما يدور في فلك العقود المشروعة ابتداء، ولكن ذكروا أن مشروعيتها جاءت على خلاف القياس رعاية لجانب الحاجة، فقد ذكروا من تطبيقاتها على سبيل المثال: مشروعية الإجارة، والجعالة، والحوالة، والسلم، والاستصناع، وأنها جوزت على خلاف القياس لعموم الحاجة إلى ذلك؛ لأن الإجارة والسلم والاستصناع بيع معدوم - وبيع المعدوم باطل - ولكنه جُوِّز لحاجة الناس، والجعالة فيها جهالة، وفي الحوالة بيع دين بدين وهو ممنوع، وكل هذه العقود سوف تجد من الآثار ما يدعم مشروعيتها ابتداء عند كثير من أهل العلم، فالإجارة والسلم ثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة والإجماع، وقل مثل ذلك في الحوالة والجعالة، فقد ثبتت مشروعيتهما كذلك بالسنة والإجماع، ومن راجع كتب الفقه عرف مصداق ذلك؛ بل إن من أهل العلم من نازع في كونها ابتداء على خلاف القياس، ومن يتأمل في هذه الأمثلة يجد أنها تمثل نوعًا من التخريج الفقهي لبعض العقود المشروعة بحيث تبدو متناسقة مع الأصول الشرعية والقواعد الفقهية؛ الأمر الذي يظهر معه دقة هذه القواعد واستيعابها بتطبيقاتها واستثناءاتها للأحكام الجزئية.
يقول السيوطي في كتابه (الأشباه والنظائر) : «القاعدة الخامسة: الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة:
من الأولى: مشروعية الإجارة، والجعالة، والحوالة، ونحوها، جوزت على خلاف القياس، لما في الأولى من ورود العقد على منافع معدومة، وفي الثانية: من الجهالة، وفي الثالثة: من بيع الدين بالدين، لعموم الحاجة إلى ذلك، والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة.