ونستطيع أن نتمثل خطورة هذه التداعيات عندما نستصحب ما جاء في أوراق مؤتمر رابطة علماء الشريعة من أن المقصود بالضرورة في مجال العادات إنما هو الحاجة وليس الضرورة بمفهومها في باب العبادات، وبما جاء في بيانه الختامي من أن المسلم غير مكلف شرعًا أن يقيم أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية ونحوها مما يتعلق بالنظام العام في مجتمع لا يؤمن بالإسلام؛ لأن هذا ليس في وسعه، وتحريم الربا هو من هذه الأحكام التي تتعلق بهوية المجتمع وفلسفة الدولة واتجاهها الاجتماعي والاقتصادي، وإنما يطالب المسلم بإقامة الأحكام التي تخصه فردًا، مثل: أحكام العبادات، وأحكام المطعومات والمشروبات والملبوسات، وما يتعلق بالزواج والطلاق والرجعة والعدة والميراث، وغيرها من الأحوال الشخصية بحيث لو ضيق عليه في هذه الأمور ولم يستطع بحال إقامة دينه فيها، وجب عليه أن يهاجر إلى أرض الله الواسعة ما وجد إلى ذلك سبيلًا.
وإنه لتتعين الإجابة على مثل هذا التساؤل: هل هذا الترخص مقرر لدفع حرج ومشقة، أم للتوسع في جلب المنافع وتحقيق المصالح؟ إن كانت الثانية فأولى أن تكون الصياغة تنزيل الحاجات والتحسينات منزلة الضرورات في إباحة المحظورات! وذلك لأن صاحب الأسرة المحدودة قد يقول: إنه على الرغم من كونه لا يستشعر حرجًا في مقامه، ولا يشكو نقصًا في دخله، ولا كثرة في عياله، إلا أنه يريد أن يتملك منزلًا بالربا ترفهًا وتنعمًا، أو لأنه بمنطق المصلحة وحسابات الكسب المادي يرى أن هذا هو الأحظى والأنمى لأمواله، أو يقول: إنه يريد أن يستبدل سيارة حديثة فاخرة بسيارته الراهنة المتواضعة، ولم لا؟ أليس المسكن الواسع والمركب الهنيء من سعادة العبد ويمن طالعه مادام الأمر مما تتسع له قواعد المشروعية؟!