أن مرد المصلحة إلى هداية الشارع وليس إلى أهواء البشر أو عقولهم المجردة، فلا يستطيع العقل البشري أن يستقل وحده بدرك المصالح بعيدًا عن هداية الشرع؛ بل لابد له من ولاية أو وصاية، ووليه ووصيه الوحي المعصوم قرآنًا وسنة، وقد قال تعالى: ?وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللهِ? [القصص: 50] ، فالمصلحة المعتبرة عند حملة الشريعة هي ما كان مردها إلى قصد الشارع لا إلى القصد المجرد للمكلف، فقد جاءت الشريعة لإخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدًا لمولاه: ?وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ? [المؤمنون: 71] . قال الغزالي في المستصفى: «إن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة؛ وهو أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول الخمسة فهو مفسدة» (المستصفي: 1/ 287) .
أن المصلحة والمفسدة في الشريعة ليست محدودة بالدنيا وحدها كما يرى ذلك النفعيون؛ بل تمتد لتشمل اعتبار الدنيا والآخرة معًا زمانًا ومكانًا لجني ثمار الأفعال، فالأعمال الصالحة تنتج لأصحابها ثمارًا نافعة إما في العاجل أو الآجل، فمن هذه الثمرات ما يجني في الدنيا ومنه ما يرجأ إلى الآخرة.
أن المصلحة لا تنحصر في اللذة المادية وحدها كما هو الشأن عند الماديين؛ بل تمتد لتشمل اللذة الروحية والسعادة الأخروية كذلك.
أن مصلحة الدين أساس لبقية المصالح ومقدمة عليها جميعًا عند التعارض، ومن أجل ذلك شرع الجهاد، وفيه ما فيه من التغرير بالنفوس وإزهاق الأرواح، إعلاء لمقصد حفظ الدين، وتقديمًا له على ما سواه.