فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 108

ولا يعني هذا بالضرورة حرمان العقل من التفكير والتدبر؛ بل إن الشريعة قد فرضت ذلك عليه شريطة الاهتداء بنور الله عز وجل:"وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ" [النور: 40] ، فالعقل كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- «شرط في معرفة العلوم وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل لكنه ليس مستقلًا بذلك؛ لأنه غريزة في النفس وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار، وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها، وإن عُزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانية قد يكون فيها محبة ووجد وذوق كما قد يحصل للبهيمة، فالأحوال الحاصلة مع عدم النقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه لم تأتِ بما يعلم العقل امتناعه» ، فعلاقة العقل بالنقل كعلاقة نور العين بنور الشمس لا غنى للإنسان عن كليهما في الإبصار والإدراك.

وعلى هذا فمهما ذكرت أوراق المؤتمرين من مصالح ومنافع تترتب على الاقتراض الربوي لتملك بيوت سكنية لغير المضطرين، يجب أن يفهم في ضوء المقررات السابقة، وأنه لا حرمة لمصلحة أهدرتها الشريعة إذا وقعت في مقابلة نصوص قاطعة الدلالة على التحريم.

فلقد اتفق أهل العلم قاطبة - كما سبق - على أنه يشترط لقبول المصالح المرسلة أن لا تكون معارضة للنصوص، وإلا كانت ملغاة، وكانت محض الهوى والتشهي، وهل أرسل الرسل وأنزلت الكتب إلا لقطع الناس عن الاسترسال مع الهوى، وإخراجهم عما يتوهمونه بأهوائهم منافع ومصالح إلى داعية الهدى، حتى يكونوا عبيدًا لمولاهم بدلًا من أن يكونوا عبيدًا لأهوائهم؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت