وإذا كانت الحبة السوداء شفاء من كل داء، فإنه قد جاء حديث آخر يحصر الشفاء في ثلاثة دون ذكر الحبة السوداء، فمن ذلك حديث ابن عباس، فقد حصر الشفاء في ثلاثة:"الشفاء في ثلاثة: شربة عسل وشرطة محجم وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي" [17] ، قال ابن حجر:"وقد قيل: إن المراد بالشفاء في هذا الحديث: الشفاء من أحد قسمي المرض؛ لأن الأمراض كلها إما مادية أو غيرها، والمادية كما تقدم حارة وباردة، وكل منهما وإن انقسم إلى رطبة ويابسة ومركبة فالأصل الحرارة والبرودة، وما عداهما ينفعل من إحداهما، فنبه بالخبر على أصل المعالجة بضرب من المثال .." [18] ، إذًا مرة أخرى يخصص ابن حجر هذه الحديث بأحد قسمي المرض؛ لأن الحس والمشاهد أن هناك بعض الأمراض لا تعالج بهذه الأشفية الثلاثة، فضلا عما روي عن أنس رضي الله عنه: إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري، وقال: لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة وعليكم بالقسط .." [19] ، ومع ذلك لو تتبعنا أحاديث البخاري، فإننا نجد النبي صلى الله عليه وسلم قد أرشد بعض المرضى لا إلى الأشفية السابقة الذكر، وإنما إلى دواء آخر، وهو حديث أنس رضي الله عنه:"أن ناسا اجتووا في المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحقوا براعيه يعني الإبل فيشربوا من ألبانها وأبوالها .." [20] -الجوي داء يأخذ من الوباء- [21] ومع ذلك فقد أشكل على ابن حجر وجمهور الفقهاء كيف يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بشرب النجاسة؟ فحملوا الحديث على الضرورة [22] ، والقصد من هذا المثال تعدد وسائل الاستشفاء مع حصرها سابقا."