إلى هنا لا يبدو أن ثمة حساسية تجاه النقل والإفادة من الطب اليوناني، فمع وجود كتب"الطب النبوي"ومع الجدل حول التداوي وهل ينافي التوكل؟ لم أجد جدلا حول وجوب اعتماد الطب النبوي ونبذ الطب اليوناني مثلا، ولا جدلا حول علم الطب النبوي بمقابل علم الطب اليوناني، بل كما قلنا حدث تداخل بينهما. وكان هنالك أطباء من ملل شتى، بل قال إدوارد فنديك:"إن السواد الأعظم من رجال الطب من 150 هـ حتى 300 هـ كانوا من النصارى". وقد أفرد ابن أبي أصيبعة"طبقات الأطباء"باعتبار الطب إرثا إنسانيا فذكر الأطباء من اليونانيين والإسكندرانيين ومن كانوا في أول ظهور الإسلام، ومن السريانيين والأطباء النقلة"المترجمين"وأطباء الجزيرة العربية، والمغرب والهند ومصر والشام.
هذا كله يعني أن كلام ابن رشد حين تحدث عن إسقاط الاعتبار بالملة، مقابل اعتبار النفع والصحة، كان له مصداق واقعي في تاريخ الحضارة الإسلامية ومفاعيلها. في حين أن الفصل التام الذي يحدث الآن، بالحديث عن طب غربي، وآخر إسلامي، وثالث نبوي، والتمحور حول تحصينات ودفاعات هوياتية في مقابل اضطراب علاقتنا مع الغرب في العقود الأخيرة، وفي سياق رحلة الأسلمة وابتذالاتها من قبل العديد من المتحمسين للإسلام، هذا كله يعني أن الوضع الإسلامي ليس بعافية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الطب النبوي .. رؤى نقدية
د. صهباء محمد بندق
طبيبة مصرية تحضر رسالة ماجستير حول أثر الحجامة على الجهاز المناعي، وعضو هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، بمكة المكرمة.