وذهب ابن حجر إلى أن الأولى في الجمع بين الأحاديث أن يقال: إن نفيه للعدوى باقٍ على عمومه، بدليل قوله"فمن أعدى الأول؟" [50] ، يعني أن الله تعالى ابتدأ ذلك في الثاني كما ابتدأه في الأول، وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع!، لئلا يتفق للشخص الذي يخلطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحة العدوى [51] . ولكن يرد عليه ما ورد على دليل ابن الصلاح، فالعدوى سبب من الأسباب التي جعلها الله للمرض، وليست العدوى حتمية لكل من خالط المريض، ولكن العادة والأعم الأغلب تشهد لذلك، ومن ثم كيف أن الأصل لا عدوى، وقد ثبتت بالحس والمشاهدة والعلم؟ [52] .
وقد وجد ابن قتيبة مخرجًا آخر في الجمع بين الحديثين، بأن نفى العدوى على العموم، وأثبتها في الجذام ونحوه، وأثبت الجذام من باب المخالطة وطول المجالسة لا من باب العدوى، وأن الأطباء لا يريدون معنى العدوى عندما يأمرون بعدم مجالسة المسلول والمجذوم، وإنما يريدون به تغير الرائحة التي قد تسقم من أطال اشتمامها، ولكن هذا يتنافى مع قوله صلى الله عليه وسلم:"وفِرّ من المجذوم فرارك من الأسد"فتخيل كم تكون سرعة من يهرب من أسد متوحش، مع العلم أن كلامه لا يستقيم مع الطب؛ لأن كثيرًا من الأمراض حاليا تعدي لمجرد اللقاء ولو لحظة، وما الفرق بين الرائحة التي تسقم فيعل بها، والمرض الآخر الذي يعدي؟ إلا إذا جاز عنده: أنه تصح العدوى إذا اختلفت العلة، ولا تصح في نفس العلة! ونلاحظ أن ابن قتيبة في جميع هذه التأويلات والاحتمالات، لم يراعِ جميع الروايات، ربما لصعوبة ذلك وعسرها.