تفتقر معظم الأبحاث المقدمة في مجال الطب النبوي إلى أهم ما يرتبط بخصائص المنهج العلمي، وهو ما يعرف بـ"الروح العلمية"، وهي جوهر المنهج العلمي وعموده الفقري، فالعلم -كما يؤكد العديد من الباحثين والدارسين- ليس هو الوقائع والملاحظات وإجراء التجارب واستخلاص النتائج منها، فكل ذلك لا يشكل العلم؛ لأن العلم -كما يرى بوانكاريه J.H.Poincare وهو أحد أعظم علماء الرياضيات في نهاية القرن التاسع عشر-"يبنى على الوقائع بنفس الطريقة التي يبنى بها المنزل من الطوب، ولكن كومة من الوقائع ليست علما، كما أن كومة من الطوب ليست منزلا" (10) .
فالعلم لا يعرف فقط بالمواد التي يعمل بمقتضاها أو حتى بالقوانين التي يطورها، وإنما أهم ما فيه هو الروح العلمية .. ومن هنا فإن معنى العلم يتضمن أساسا الروح العلمية (11) .
والروح العلمية أمر يرتبط بالسلوك الإنساني، وهي وليدة حب الاستطلاع والدهشة والنزاهة والصبر على الملاحظة، كما تنطوي على الشجاعة وعدم تهيب الأخطار والأمانة مع النفس والوقائع، والاتسام بالنقدية، وهو ما تفتقر إليه معظم بحوث الطب النبوي كما سيظهر في الأمثلة اللاحقة، وهذه الصفات ترتبط بالأخلاق، أي أنها صفات أخلاقية ينبغي أن يتحلى بها العالم، وعندما يتسم بها الباحثون في مجال الطب النبوي، نقول: إن هؤلاء باحثون علميون بالمعنى الحقيقي. أما إذا استمر تناول الطب النبوي بهذا الأسلوب المتخلف عن قوانين البحث العلمي، فإنه سيدمر نفسه، وإن امتاز بالتشويق والإثارة إلا أنه لن يستمر طويلا؛ لأن الروح العلمية والانضباط الأخلاقي والعلمي هي المقومات التي تجعل من العلم ظاهرة إنسانية ثابتة، وتضمن تقدمه واستمراره؛ ولذا فإن الروح العلمية ليست فقط جوهر العلم وإنما هي ضمانة تقدمه.
ولعل في توضيح الأخطاء البحثية في بحوث الطب النبوي ببعض الأمثلة، ما يجلو شيئا من الغموض ويزيح الالتباس: