فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 148

ثمة ملحوظة مهمة هنا ينبغي ذكرها، والبناء عليها، وهي أن الانشغال بما عرف بالطب النبوي هو انشغال حديثي بالدرجة الأولى؛ فهو بالأصل باب من أبواب الحديث، ومن هنا كان عامة المصنفين فيه من المحدثين. فطريقة المحدثين العناية بكل ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشأنهمُ الغالبُ أن يعتبروا كل ذلك شرعا، ومن هنا لا يبدو غريبا أن يقول ابن القيم:"طب النبي متيقن قطعي إلهي صادر عن الوحي ومشكاة النبوة"، فهذا وعي حديثي بامتياز، ثم لنتأمل بعد ذلك الوعي الفقهي السابق الذي يجادل على مستوى جواز التداوي وحكمه، بل إن الصارف للشافعية عن القول بوجوب التداوي هو عدم تيقن نفع الدواء الذي يقول ابن القيم إنه قطعي متيقن! وكذلك لنتأمل القول بأن ترك التداوي أفضل، بمقابلة القول بطب إلهي ينافي تعاطيه قوة توكل المؤمن! والوعي الحديثي والفقهي يلتقيان على مستوى الرؤية عند أن الطب والعلاج تَدَخلٌ في جسم الإنسان، ومن هنا كان الخوض في مسألة جواز العلاج وعدمه وفي الطب النبوي، على اعتبار أن هذا تدخل مبني على ما هو شرعي أتت به الأحاديث.

ثم لنتأمل هذه الملحوظات كلها، مضمومة إلى الإشارة السابقة عن نشأة الطب كفرع من فروع الطبيعيات وهي فرع من فروع الفلسفة، وازدهار علم الطب مع حركة الترجمة التي شملت كتب الفلسفة اليونانية والطب في العصر العباسي. كل هذا يعني أن هذه الحركة تمت بمعزل عن هذا الوعي الفقهي والحديثي معا، ومع ذلك نجد أن كتب شروح الحديث أفادت من الطب اليوناني فاعتمدت نظرية أبقراط في الأخلاط والأمزجة كما اعتمدت النظرية اليونانية القائلة بالعناصر الأربعة: النار والهواء والماء والتراب، ومن هنا تأتي تعبيرات مثل الحار والبارد والرطب واليابس في كتب"الطب النبوي"وشروح الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت