وإن ثبت أن تعبير"الطب النبوي"إنما شاع في القرن الرابع الهجري، فربما يكون لذلك دلالة؛ إذ إن هذا القرن شهد نهضة علم الطب على يد الإمام الرازي (313 هـ) صاحب كتاب الحاوي، وأمثاله، وذلك بعد أن أخذ الخلفاء في القرنين الثاني والثالث يهتمون بتنشيط العلوم، ولا سيما الطب، فاستدعوا إلى بلاطهم المعلمين والمهرة من أهل هذه الصناعة، وبذلوا العطايا لمهرة النقلة لترجمة المصنفات اليونانية الطبية إلى العربية، وفي عهد المنصور العباسي 148 هـ اتصلوا بمدرسة جنديسابور التي استدعى المنصور أحد أطبائها - وهو جورجيس بن بختيشوع - لمعالجته من سوء هضم، وحظي بمكانة لدى الخليفة بعد معالجته، وانتقلت المدرسة إلى بغداد وكان هذا الطبيب من أبرز المترجمين لكتب الطب بعدها، إلى جانب حنين بن إسحاق وغيره. فكان الطب اليوناني هو الأساس الذي بنى عليه أطباء الإسلام علم الطب.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أنه غالبا ما كان يتصل الطب بالفلسفة في تلك العصور، بل عد الطب فرعا من فروع الطبيعيات التي هي فرع من فروع الفلسفة. يقول ابن خلدون:"ومن فروع الطبيعيات: صناعة الطب". كما أن عددا من أساطين الطب كانوا فلاسفة، سواء من اليونان أم المسلمين. حتى إن ابن سينا في مقدمة كتابه"القانون"يشير إلى أن الطبيب في طبه إنما يحتاج إلى البرهان بوصفه فيلسوفا لا طبيبا.
هذا الجو الذي أشرنا إلى طرف منه، هو ما ساعد على تلك النهضة الطبية في صدر الإسلام، دون توقف عند ملة الطبيب أو الطب ومصدره، حتى إن ابن رشد في فصل المقال يقول:"يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا في ذلك، سواء كان ذلك الغير مشاركا لنا أو غير مشارك لنا في الملة، فإن الآلة التي تصح بها التذكية ليس يُعتبر في صحة التذكية بها كونها آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك إذا كانت فيها شروط الصحة".