حين يغدو التسليم المطلق بصحة الرواية منطلقا للبحث العلمي، فإن همة الباحث تتجه نحو إثبات صحتها بأي طريق، ومن أجل ذلك يتكلف لَيّ المفاهيم العلمية ويتحايل على الحقائق لتتفق مع تلك الرواية، أو يسارع نحو بعض البحوث التي لم تنضج للإعلان عن موافقة الرواية (للحقائق) العلمية، وهكذا تخرج الأبحاث مدعومة بحقائق مختارة متحيزة لجانب واحد من الموضوع، وهو ما يذهب بمصداقية وموضوعية تلك الأبحاث. ولعل هذا ما يفسر تميز أبحاث الطب النبوي عادة بالإثارة والتشويق على حساب الجودة والكفاءة، بهدف إبهار القارئ المتعطش ابتداء لهذه النتائج.
والصواب أن ينطلق البحث بتجرد تام، وبدراسة علمية متأنية تتفق وأصول وأسس البحث العلمي المتعارف عليها، وقد يستغرق منا ذلك سنين بل قد يستغرق العمر، دون لحظة ندم؛ لأن هذا هو الطريق الوحيد الذي يوصلنا بإذن الله إلى الحقائق ويجنبنا مزالق السعي وراء ما لا طائل منه.
والأمانة العلمية صفة لا غنى عنها للباحث، وكما يقول"بول موي":"للعالم أن يتحلى بصفات التواضع والصبر والنزاهة حين يلاحظ الظواهر، وأن يصفها على ما هي عليه، لا كما يتمناها أن تكون" (6) .