الحمد لله الذي ارتضى الحمد لنفسه, ورضي به من خلقه, أحمد على آلائه, وأمجّده لبلائه, وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه راض بقضائه, وصابر لبلائه, وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له, وأن محمدا عبده المصطفى, ونبيّه المجتبى, ورسوله الى خلقه, وأمينه على وحيه, أرسله بعد انقطاع الرجاء وطموس العلم, واقتراب من الساعة, الى أمة جاهلية, مختلفة أميّة, أهل عداوة وتغاضن, وفرقة وتباين, قد استهوتهم شياطينهم, وغلب عليهم قرناؤهم, فاستشعروا الردى, وسلكوا العمى, يبشّر من أطاعه بالجنة وكريم ثوابها, وينذر من عصاه بالنار وأليم عقابها, ليهلك من هلك عن بيّنة, ويحيا من حيّ عن بيّنة, وان الله لسميع عليم.
أ, صيكم عباد الله بتقوى الله, فان الاقتصار عليها سلامة, والترك لها ندامة, وأحثكم على اجلال عظمته, وتوقير كبريائه وقدرته, والانتهاء الى ما يقرّب من رحمته, وينجّي من سخطه, وينال به ما لديه من كريم الثواب, وجزيل المآب. فاجتنبوا ما خوّفكم الله من شديد العقاب, وأليم العذاب, ووعيد الحساب, يوم توقفون بين يدي الجبار, وتعرضون فيه على النار, يوم لا تكلّم نفس الا باذنه, فمنهم شقي وسعيد, يوم يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه, لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه, يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا شفاعة ولا هم ينصرون, يوم لا يجزي والد عن ولده, ولا مولود هو جاز عن والده شيئا. ان وعد الله حق, فلا تغرّنكم الحياة الدنيا ولا يغرنّك بالله الغرور, فان الدنيا دار غرور وبلاء وشرور واضمحلال وزوال وتقلّب وانتقال, أفنت من كان قيلكم, وهي عائدة عليكم وعلى من بعدكم. من ركن اليها صرعته, ومن وثق بها خانته, ومن أمّلها كذبته, ومن رجاها خذلته. عزها ذل, وغناها فقر, والسعيد من تركها, والشقي من آثرها, والمغبون فيها من باع حظه من دار آخرته بها.