فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 151

عباد الله انكم وما أنتم من هذه الدنيا عن سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا وأشد منكم بطشا وأعمر منكم ديارا وأبعد آثارا, فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقبلها, وأجسادهم بالية, وديارهم خالية, وآثارهم عافية, واستبدلوا بالقصور المشيّدة, والسرر والنمارق الممهدة, الصخور والأحجار المسندة في القبور الملاطية الملحدة التي قد بني على الخراب فناؤها, وشيّد بالتراب بناؤها, فمحلّها مقترب, وساكنها مغترب, بين أهل عمارة موحشين, وأهل محلّة متشاغلين, لا يستأنسون بالعمران, ولا يتواصلون تواصل الجيران, على ما بينهم من قرب الجوار ودنوّ الدار, وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلى, وأكلتهم الجنادل والثرى؟ فأصبحوا بعد الحياة أمواتا, وبعد غضارة العيش رفاتا, فجع بهم الأحباب, وسكنوا التراب, وظغنوا فليس لهم اياب, هيهات هيهات! {كلا انها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون} , فكان قد صرتم الى ما صاروا عليه من الوحدة والبلى في دار الموتى, وارتهنتم في ذلك المضجع وضمّكم ذلك المستودع, فكيف بكم لو تناهت الأمور, وبعثرت القبور, وحصّل ما في الصدور, وأوقفتم للتحصيل بين يدي ملك جليل؟ فطارت القلوب لاشفاقها من سالف الذنوب, وهتكت عنكم الحجب والأستار, فظهرت منكم العيوب والأسرار, هنالك تجزى كل نفس بما كسبت, ايجزي الذين أساؤوا بما عملوا, ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} جعلنا الله وايّاكم عاملين بكتابه متّبعين لأوليائه حتى يحلّنا وايّاكم دار المقامة من فضله, انه حميد مجيد.

وأخرجه الدينوري وابن عساكر عن عبد اللع بن صالح العجلي عن أبيه.

"حياة الصحابة" (4\ 286 - 288)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت