أما بعد: فان الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع, وان الآخرة قد أظلّت وأشرفت باطلاع, وان المضمار اليوم وغدا السباق, وان السبقة الجنة والغاية النار. ألا وانكم في أيام مهل من ورائها أجل يحثّه عجل, فمن أخلص لله عمله في أيام مهله قبل حضور أجله فقد أحسن عمله, ونال أمله, ومن قصر عن ذلك خسر عمله, وخاب أمله وضرّه أمله, فاعملوا في الرغبة والرهبة, فان نزلت بكم رهبة فاذكروا الله واجمعوا معها رغبة, فان الله قد تأذن المسلمين بالحسنى, ولمن شكر بالزيادة, واني لم أر مثل الجنة نام طالبها, ولا كالنار نام هاربها, ولا أكثر مكتسبها من شيء كسبه ليوم تدّخر فيه الذخائر, وتبلى فيه السرائر, وتجمع فيه الكبائر, وانه من لا ينفعه الحق, يضرّه الباطل, ومن لا يستقيم به الهدى يجر به الضلال, ومن لا ينفعه اليقين يضرّه الشك, ومن لا ينفعه حاضره فعازبه عنه أ'وز, وغائبه عنه أعجز.
انكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد, ألا وان أخوف ما أخاف عليكم اثنان: طول الأمل فينسي الآخرة, وأما اتباع الهوى فيبعد عن الحق.
ألا وان الدنيا قد رحلت مدبرة, وان الآخرة قد ترحّلت مقبلة, ولهما بنون, فكونوا من أبناء الآخرة ان استطعتم, ولا تكونوا من بني الدنيا, فاليوم عمل ولا حساب, وغدا حساب ولا عمل.
ذكرها الحافظ ابن كثير في"البداية والنهاية", وقال فيها: هذه خطبة بليغة نافعة جامعة للخير ناهية عن اشر.
"حياة الصحابة" (4\ 296 - 300)
ذكر ابن الجوزي في صفوة الصفوة: أن علي ابن أبي طالب خطب فقال: