لا يعاني المسلمون في هذه الأيام من أزمة جهل بالاسلام قدر ما يعانون أزمة التطبيق الواقعي لما يعرفونه من الاسلام. فعلماء الاسلام كثر ولله الحمد, والكتب التي تتحدّث عنه غزيرة, والدعاة اليه كثيرون, ومراكز تعليمه متعددة ومنتشرة في كثير من أصقاع الأرض, والصحافة والاذاعات وسائر وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية تتكلّم عنه يصورة مقتضبة أو مفصّلة, ولو أحصينا رصيد كل مسلم مما يحفظه من دينه لوجدنا أنه لا أقل من أن يحفظ آية أو سورة صغيرة من القرآ،, ومن الحديث حديثا أو حديثين, ومن الأحكام الشرعية حكما أو حكمان. وهذا القليل الذي يحفظه لو طبّقه بحذافيره لكان كفيلا بفلاحه ونجاحه وخلاصه من كثير من أزمات عيشه واضطرابات حياته, ولكنّه حيث لم يطبّق هذا القليل بقي غارقا في ظلمات العيش متخبّطا في لجّة الصراع الدائر في الحياة, لا يهتدي الى سبيل لخلاص, ولقد جاء في الحديث:"لو تركتم عشر ما أمرتم به لهلكتم, ويأتي على الناس زمان لو فعلوا عشر ما أمروا به لنجو".
فيا معشر المؤمنين:
اعلموا أنّ الله تعالى انما أنزل دين الاسلام ليطبّق في واقع الحياة, وليكون منهجا ضابطا لتصوّرات الناس وسلوكهم وعواطفهم ومعتقداتهم, فمن عطّل شرع الله عن التطبيق, وعزله عن دائرة التنفيذ العملي, واكتفى بحفظه والتفكّه بقراءته واثارة الجدل حوله, فانّ ما اطّلع عليه من الاسلام وعرفه من أحكامه, يصبح حجّة عليه يوم القيامة, وهذا ما حذرت منه سيدتنا عائشة رضي الله عنها عندما أتاها عطاء ابن رباح يسألها عن العلم, فقالت له: يا بنيّ, هل عملت بما سمعت؟ فقال: لا والله يا أمّاه. قالت: يا بنيّ, فيم تستكثر من حجج الله علينا وعليك.
وجاء في الحديث قال عليه الصلاة واليلام:"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه, وعن شبابه فيما أبلاه, وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه, وعن علمه ماذا عمل فيه".