فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 151

فأعلن عليه الصلاة والسلام واقع العبوديّة المطلقة لربّه سبحانه في ليله ونهاره عبر قيامه وصيامه وجهاده في سبيل الله ودعوته اليه وبذله وعطائه ابتغاء وجه ربّه الأعلى الذي خاطبه بقوله: {ومن الليل فتهجّد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربّك مقاما محمودا} , فكان يقوم الليل حتى تتورّم قدماه, وكان اذا قيل له: لم تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ أجاب:"أفلا أكون عبدا شكورا".

وكان من مظاهر حرصه على صادق الصلة بمولاه سبحانه أن تخفف من أثقال المادة والشهوات, فاكتفى بأبسط مظاهر العيش, وهو يقول:"مالي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا الا كراكب استظلّ تحت شجرة ثم راج وتركها".

وكان كثير الخشية من الله, فاذا سجد, بلّ الأرض بدموعه, وسمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل من خشية الله, وكان يحذر أصحابه من خطر الدنيا فيقول:"ما الفقر أخشى أخشى عليكم؟ ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم, فتنافسوها كما تنافسوها, وتهلككم كما أهلكتهم".

أيها الاخوة المؤمنون:

لقد استمد المسلمون الأوائل من واقع حياة الرسول صلى الله عليه وسلّم التفسير الواقعي لمنهج العبوديّة الخالصة لرب العالمين, وذلك عندما حرّروا قلوبهم من أغلال حبّ الدنيا والتعلّق بشهواتها الفانية, فاستوى في نظرهم ذهبها ومدرها, وجعلوا الآخرة ومرضاة رب العالمين أكبر همّهم ومبلغ علمهم, فقاموا الليل مجسّدين معنى قوله تعالى: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون} , وأنفقوا في سبيل الله متمثلين هدي قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا * انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ولا شكورا} , وجاهدوا في سبيل الله ورائدهم في ذلك قوله سبحانه: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} .

أيها الاخوة المؤمنون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت